الذكرى 111 لمجزرة الابادة الجماعية الارمنية التي حدثت في 24 نيسان 1915      الأرمن ذاكرة الألم التي غدت شهادة حياة      الأب طوني إلياس: البلدات المسيحية الثلاث في جنوب لبنان لا تزال في خطر      سلطات إسطنبول تحظر إحياء ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن في نيسان للعام الخامس على التوالي      بيان المرصد الآشوري لحقوق الإنسان في الذكرى الثالثة عشرة لتغييب مطراني حلب: الصمت الممنهج هو شراكة كاملة في الجريمة      البطريرك نونا لدى استقباله من أبناء أبرشية أسقفيته: ” تحديات كنيستنا كبيرة، لكن إيماننا أكبر وأقوى“      من قداسة البابا .. الشعب العراقي الحبيب      بيان من بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس وبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس      وفد حكومي يزور مقر "المنظمة الآثورية" لبحث ملفات الدمج والاستحقاقات الانتخابية      "صوتكِ مسموع".. ورشة عمل في هلسنبوري لتمكين المرأة المشرقية في السويد      تربية إقليم كوردستان تعلن الألوان والتصاميم الجديدة للزي المدرسي الموحد      المتحدث باسم الإعمار والتنمية: السوداني يحظى بدعم 118 نائباً من الإطار التنسيقي      أسوأ السيناريوهات قادم.. نقص وقود الطائرات ينذر بشلل عالمي      حنين رقمي يكشف قلق اليوم.. هل عدنا بالزمن إلى 2016؟      القضية الغامضة.. أميركا تمنع نشر بحث حول فعالية لقاح كورونا      ترامب يريد إيطاليا بالمونديال عوض إيران      البابا لاوُن الرابع عشر يلتقي الشباب والعائلات في استاد باتا في إطار زيارته الرسولية إلى غينيا الاستوائية      وزير التربية بإقليم كوردستان: تغيير نظام المشاركة في الامتحانات ليس من صلاحيات الوزارة      تقرير أميركي: الولايات المتحدة تعلّق إرسال نحو 500 مليون دولار إلى العراق      ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران
| مشاهدات : 2530 | مشاركات: 0 | 2024-09-28 06:37:33 |

أغنية النهر

نشوان عزيز عمانوئيل
 
 
قصة قصيرة 
 
خريف 2024 
 
 
 
 
لم يكن النهر يهمس تلك الليلة كما كان يفعل في سائر الليالي، بل كان يغني.
 جلست على ضفافه، كما كنت أفعل منذ أن كنت صبياً، أراقب المياه المتدفقة من الشمال إلى الجنوب، كأنها روح الزمن نفسه. لا يهم من أين جاءت، ولا أين تذهب، كانت دائمًا هنا، وكانت دائمًا تذهب إلى حيث لا نعرف.
 
كان الهواء مفعمًا برائحة الأرض الطينية التي بللتها أمطار الليلة الماضية، وصوت الضفادع يتناغم مع الأغنية التي ينشدها النهر. الليل غارق في السكون، إلا أنني كنت أسمع ما لا يسمعه الآخرون؛ كانت هناك أصوات خفية، همسات تتسلل مع نسائم الليل، أصواتٌ تحمل قصصًا قديمة منسية.
 
على ضوء القمر الخافت، رأيت شبحًا في الأفق، لم يكن إنسانًا ولا حيوانًا، بل ذكرى. ذكرى "مصطفى". كان ذلك الرجل، الذي أتى إلى قريتنا قبل ثلاثين عامًا، وما زال اسمه يتردد في أحاديث الناس. كان رجلاً غريبًا، قدم من مدينة بعيدة ، قال إنه يريد أن يستقر هنا، على ضفاف النهر، بعيدًا عن ضوضاء المدينة. لم نعرف من أين جاء، ولم نسأله، فنحن في القرية لا نسأل الغرباء عن ماضيهم، نترك لهم حرية حمل أسرارهم كما يشاؤون.
 
لكن مصطفى لم يكن مثل بقية الغرباء الذين مروا من هنا. كان يحمل في عينيه ظلالًا من حزن دفين، كأنما كان قد عاش ألف حياة قبل أن يصل إلى هذه الأرض الطينية. استأجر غرفة صغيرة في بيت الحاج "عبد القادر"، وأخذ يعمل في الحقول مع أهل القرية، صامتًا أغلب الأوقات، لكنه دائمًا يجيب بابتسامة خفيفة عندما يسأله أحدهم عن شيء.
 
النساء كنَّ يتهامسن حوله، يتحدثن عن وسامته وعن مظهره الغامض. أما الرجال، فكانوا يراقبونه بحذر، فهو رغم كل شيء كان مختلفًا. لكن مصطفى لم يكن يهتم بتلك النظرات، كان يعيش بيننا، وفي الوقت نفسه، يعيش بعيدًا عنا.
 
مرَّت السنوات، ومصطفى أصبح جزءًا من القرية، حتى تزوج "زينب"، ابنة الحاج عبد القادر. كان زواجًا بسيطًا، لكننا شعرنا بشيء غير عادي في تلك الليلة. العريس لم يبدُ سعيدًا كما يجب أن يكون العريس، والعرس لم يكن مليئًا بالأغاني والرقص كما كنا نعتاد. بدا مصطفى وكأنه يحمل على كتفيه عبء العالم كله، لكن لم يقل شيئًا.
 
ومع مرور الأيام، بدأ الناس يلاحظون شيئًا غريبًا. كان مصطفى يختفي كل ليلة عند منتصف الليل، يذهب إلى النهر ويجلس هناك حتى الفجر. البعض قال إنه كان يتحدث مع الجن، وآخرون قالوا إنه كان يصلي صلاة غريبة لا يعرفها أحد. لكن زينب، التي كانت تحب زوجها بعمق، لم تقل شيئًا. كانت تراقبه بصمت، تعودت على غموضه كما تعودت على هدوء النهر.
 
وفي إحدى الليالي، اختفى مصطفى نهائيًا. ذهب إلى النهر كما كان يفعل دائمًا، لكنه لم يعد هذه المرة. بحثنا عنه في كل مكان، في الغابات، وفي الحقول، حتى ذهب بعض الرجال إلى المدينة ليسألوا عنه، لكن لا أثر له. كأن الأرض انشقت وابتلعته.
 
زينب بقيت في بيتها، شاردة الذهن، لا تبكي ولا تتكلم. كان من الواضح أن مصطفى قد ترك شيئًا وراءه، شيئًا لا يمكن لأي منا أن يفهمه. وبعد شهور قليلة، رحلت زينب هي الأخرى، ودفنَّاها بجوار النهر الذي أحبَّته بقدر ما أحبَّت زوجها.
 
القرية عادت إلى هدوئها المعتاد بعد ذلك، لكن قصة مصطفى وزينب بقيت حية، ترويها الأمهات لأطفالهن ليلاً. كان الناس يقولون إن روح مصطفى ما زالت تجوب على ضفاف النهر، تبحث عن شيء لم تجده في حياته.
 
واليوم، وأنا جالس هنا، في نفس المكان الذي كان يجلس فيه مصطفى، أستمع إلى أغنية النهر. ربما كان النهر هو الوحيد الذي يعرف الحقيقة، لكنه، كما البشر، لا يحب أن يتحدث كثيرًا.









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.5082 ثانية