

سياسة ترامب للهجرة تُدمر عظمة أمريكا
يُشكل المهاجرون العمود الفقري لعظمة أمريكا، فهم يُحركون اقتصادها ويُثرون ثقافتها ويُعززون ريادتها العالمية. ومع ذلك، وتحت ستار “إعادة عظمة أمريكا”، تُقوّض سياسات ترامب الإقصائية والعنصرية هذا الأساس وتُعيق الإبتكار وتُشوّه سمعة الأمة الأخلاقية. ولفهم حجم وأهمية المهاجرين في الولايات المتحدة، وضرورة استمرار الهجرة، يُبيّن ما يلي بوضوح كيف يُساهمون بشكلٍ كبير في دعم قوتنا العاملة ودفع عجلة الإبتكار وتأمين الميزة التنافسية لأمريكا على الساحة العالمية.
الوضع الراهن للهجرة
يوجد أكثر من مليون عامل زراعي في الولايات المتحدة غير مُسجلين، من بينهم حوالي 40% من عمال مزارع المحاصيل. يُشكل المهاجرون ما يقرب من 70% من إجمالي العمال الزراعيين في الولايات المتحدة، مما يجعلهم لا غنى عنهم في القوى العاملة الزراعية ويُؤكد مدى اعتماد الإنتاج الغذائي الأمريكي على هذه القوى العاملة.
نشهد بالفعل آثار حملات مكافحة الهجرة على القطاع الزراعي الأمريكي. ففي وادي كاليفورنيا الأوسط، توقف غالبية العمال الزراعيين عن الحضور بعد مداهمات مكثفة نفذتها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية في يوليو/تموز 2025 مما أدى إلى تعفّن المحاصيل في الحقول بسبب نقص العمالة. وقد نتج عن ذلك خسائر مالية فادحة وهدر في المواد الغذائية وانخفاض في إيرادات المزارع وارتفاع في أسعار المواد الغذائية.
وعدا الزراعة، يُشكل المهاجرون من أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى نسبة كبيرة في قطاعات البناء والضيافة وتصنيع الأغذية؛ إذ يمثلون حوالي 33% من العاملين في مجال تصنيع اللحوم وأكثر من 80% من العاملين في مجال تصنيع الأغذية. وفي قطاع الترفيه والضيافة، يشكل المهاجرون حوالي 18% من العاملين؛ وفي أماكن إقامة المسافرين (أي الفنادق) وحدها، تزيد نسبة المهاجرين عن 30% من العاملين.
القوى العاملة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات
وفقًا للمؤسسة الوطنية للعلوم، يشكل العمال المولودون في الخارج حوالي 22% من القوى العاملة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الولايات المتحدة. ومن بين وظائف العلوم والهندسة التي تتطلب شهادات دكتوراه، حوالي 43% مولودون في الخارج. وفي مجالات علوم الحاسوب والرياضيات على مستوى الدكتوراه، تتجاوز هذه الشريحة نسبة 55%. ويُشكل المولودون في الخارج نحو 30% من أعضاء هيئة التدريس بدوام كامل في العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية، وهم حاضرون بنسبة غير متناسبة في المؤسسات البحثية.
إن منع قبول العلماء من دول مثل الهند والصين والمكسيك والأرجنتين سيؤدي إلى نقص حادّ في الكفاءات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات الرئيسية. علاوة على ذلك، يُشكل المخترعون ورواد الأعمال نسبة كبيرة من براءات الإختراع الأمريكية والشركات الناشئة سريعة النمو والعاملين الحاصلين على شهادات عليا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وبالتالي، فإن فقدان الباحثين الأجانب سيُضعف البحث العلمي ويُقلل الإبتكار ويُبطئ التقدم العلمي ويُضعف القدرة التنافسية التكنولوجية والإقتصادية للولايات المتحدة.
تشير الأبحاث حول ريادة الأعمال بين المهاجرين إلى أن المهاجرين ممثلون تمثيلاً زائداً بين مؤسسي الشركات الجديدة، بما في ذلك شركات التكنولوجيا المتقدمة والشركات الناشئة العملاقة، مما يُضاعف الضرر طويل الأمد الذي قد تُسببه السياسات التقييدية تجاه العلماء غير الأوروبيين.
المهاجرون في الجيش الأمريكي
في عام 2017، بلغ عدد الأفراد المولودين في الخارج في الخدمة الفعلية حوالي 190 ألفًا، ما يمثل نحو 4.5٪ من إجمالي أفراد الخدمة الفعلية. وبحلول عام 2024، كان هناك حوالي 8000 ممن لا يحملون الجنسية الأمريكية يلتحقون بالجيش سنويًا. وفي عام 2022، بلغ عدد المحاربين القدامى المولودين في الخارج حوالي 731 ألفًا، أي ما يقارب 4.5٪ من إجمالي عدد المحاربين القدامى. وتاريخيًا، ولا يزال، لعب الجنود المولودون في الخارج أدوارًا محورية في جميع الصراعات الأمريكية الكبرى، منذ حرب الإستقلال، وحصل المهاجرون على أكثر من 20 % من جميع ميداليات الشرف، ما يؤكد عمق مساهمتهم في الدفاع الوطني.
تكريم ريغان للمهاجرين
ربما لا يستطيع أحد التعبير عن الأهمية البالغة للمهاجرين في الولايات المتحدة، وكيف جعلوا منها أرض الفرص التي جسدت الوعد الذي جعلها استثنائية، كما فعل الرئيس ريغان في خطابه الأخير للأمة:
“بما أن هذا هو الخطاب الأخير الذي سألقيه كرئيس، أرى أنه من المناسب أن أختم بكلمة أخيرة، ملاحظة عن بلد أحبه. وقد وردت هذه الفكرة بأفضل شكل في رسالة تلقيتها مؤخرًا. كتب لي رجل يقول: “يمكنك أن تعيش في فرنسا، لكنك لن تصبح فرنسيًا. يمكنك أن تعيش في ألمانيا أو تركيا أو اليابان، لكنك لن تصبح ألمانيًا أو تركيًا أو يابانيًا. أما أي شخص، من أي مكان في العالم، فيمكنه أن يأتي ويعيش في أمريكا ويصبح أمريكيًا.”
“نعم، إن شعلة سيدة الحرية ترمز إلى حريتنا وتمثل تراثنا، والعهد الذي قطعناه مع آبائنا وأجدادنا وأسلافنا. إنها تلك السيدة التي تمنحنا مكانتنا العظيمة والمميزة في العالم. فقوة الحياة العظيمة لكل جيل من الأمريكيين الجدد هي التي تضمن استمرار انتصار أمريكا بلا منازع في القرن القادم وما بعده. قد تسعى دول أخرى لمنافستنا، لكن في مجال حيوي، كمنارة للحرية والفرص تجذب شعوب العالم، لا تضاهينا أي دولة على وجه الأرض.
“أعتقد أن هذا أحد أهم مصادر عظمة أمريكا. فنحن نتبوأ الصدارة بين الأمم لأننا، بشكل فريد، نستمد قوتنا من كل بلد ومن كل ركن من أركان العالم. وبذلك، نجدد أمتنا ونثريها باستمرار. فبينما تتشبث دول أخرى بماضيها البالي، نبثّ هنا في أمريكا الحياة في الأحلام. نصنع المستقبل، والعالم يتبعنا نحو الغد.
“بفضل كل موجة من الوافدين الجدد إلى أرض الفرص هذه، نبقى أمة شابة على الدوام، تنبض بالطاقة والأفكار الجديدة، ودائماً في الطليعة، تقود العالم نحو آفاق جديدة. هذه الصفة حيوية لمستقبلنا كأمة. فلو أغلقنا أبوابنا أمام الأمريكيين الجدد، لفقدنا ريادتنا العالمية سريعاً. “
كيف انحدرنا من اعتراف الرئيس ريغان بنبل المهاجرين إلى ادعاء ترامب المُجرّد من الإنسانية: “إنهم يأكلون الكلاب… إنهم يأكلون القطط… إنهم يأكلون… إنهم يأكلون الحيوانات الأليفة…”؟ في هذا الإنحدار الصارخ نرى الثمن الأخلاقي الباهظ للتخلي عن الحقيقة من أجل المصلحة السياسية.
لطالما كان المهاجرون شريان الحياة للتجربة الأمريكية. إن إغلاق أبوابنا أمام المهاجرين هو بمثابة إغلاق الباب أمام محرك الحيوية الأمريكية. وإذا فتحنا حدودنا، مرحبين بالجميع بغض النظر عن العرق أو الدين، فإننا نطلق العنان لأعظم قوة لنا – أمة تولد من جديد، لا حدود لقدرتها على الحلم وتحقيق المستحيل.