

لم يكن القصف الذي استهدف منزل السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان، حدثًا عابرًا يمكن وضعه في سياق أمني ضيّق، ولا رسالةً معزولة عن سياقها السياسي. بل كان محاولة واضحة لضرب فكرةٍ كاملة: فكرة الاعتدال، والحكمة والثبات، وعقلٌ لا يستسلم للغضب، وقلبٌ لم يتخلَّ عن إنسانيته، وشخصية تعرف أن الاعتدال ليس ضعفًا بل شجاعة نادرة، لا تواجه الصراخ بالصراخ، بل بثباتٍ أعمق، ولا تردّ على الضجيج بالضجيج، بل بمعان تحرجهم .
في زمنٍ تُقاس فيه القوة بعدد المُسيّرات، وعدد الصواريخ، وحجم الضجيج الذي تخلّفه في السماء، يصبح إستهداف شخصية مثل نيجيرفان بارزاني استهدافاً لنهجٍ كامل، لا لشخصٍ فقط. نهجٍ قام على التوازن، وعلى مدّ الجسور، وعلى إدارة التعقيد بالعقل لا بالانفعال.
لكن المفارقة التي لم يفهمها من ضغط زرّ الإطلاق، أن الضربة لم تُسكت شيئًا، بل كشفت كل شيء. كشفت أن القصف لم يواجه جدران منزله، بل واجه نموذجًا يصعب كسره: نموذج من لا يُستفز بسهولة، ولا يُجرّ إلى ردود أفعال تشبه أفعال خصومه.
هؤلاء أرادوا القصف رسالة ترهيب، فإذا به يتحول إلى فضيحة مدوية.
أرادوا إظهار القوة بالقصف، فإذا بهم يكشفون عجزهم عن مواجهة الاعتدال.
أرادوا إسكات صوتٍ، فإذا به يعلو أكثر، لا بالصراخ، بل بثبات الموقف.
إن استهداف بيتٍ، أيًّا كان، هو إعلان فشل قبل أن يكون استعراض قوة. فالواثقون لا يقصفون البيوت، وأصحاب السياسات الناضجة لا يتختبؤون خلف المُسيّرات. من يفعل ذلك إنما يقول، دون أن يقصد: لا نملك ما نواجه به هذا النهج، سوى الضجيج.
لكن ما لا يدركونه، أن هذا النوع من الضجيج لا يهزم من بنى نفسه على الحكمة. ولا يُخيف من نسج علاقاته مع الداخل والخارج بصبر. ولا يُسقط من اختار الاعتدال طريقًا، لا تكتيكًا مؤقتًا.
القصف قد يلامس الجدران، لكنه لا يلامس الفكرة. والمُسيّرة قد تعبر السماء، لكنها لا تعبر إلى القلوب.
في لحظةٍ كهذه، إنكشف الفارق بوضوح:
بين من يملك زرّ الإطلاق، ومن يملك قرار الاتزان.
بين من يصنع الأعداء، ومن يصنع العلاقات.
بين من يراهن على الخوف، ومن يراهن على الإنسان.
نعم، صوت مُسيّراتهم كان عاليًا هذا اليوم. لكن صوت الكورد، بما يحملونه من حكمةٍ وهدوءٍ وثقة، كان أعلى. وما قيل هذا اليوم بشأن القصف ليست مجرّد ردات فعل، بل مواقف سياسية وأخلاقية، تقول بوضوح:
لن ننحدر إلى مستواكم، ولن نتخلى عن ما بنيناه، ولن نسمح للخوف أن يعيد رسمنا، فالهزيمة ليست لنا .