
إلى اليمين الستاوروغرام وإلى اليسار تصوير للمسيح على حجر اليشب | مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز/The British Museum
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: سهيل لاوند
العالم, الجمعة 3 أبريل، 2026
ارتبطت المسيحية منذ نشأتها بحدث الصلب بوصفه محور إيمانها وأحد أبرز مرتكزاتها اللاهوتية. لكنّ هذا الارتباط لم ينعكس فورًا في استخدام الصليب رمزًا علنيًّا لها، إذ تأخّر اعتماده حتى القرن الرابع، في مفارقة تطرح تساؤلًا حول أسباب هذا الغياب المبكر لواحد من أكثر الرموز حضورًا في المسيحية اليوم.
يوضح الأب سامي حلّاق اليسوعي أنّ ثلاثة عوامل رئيسة حالت دون لجوء المسيحيين الأوائل إلى تمثيل الصليب في فنونهم ونقوشهم. أوّلها، الخوف من الاضطهاد، إذ لم تكن المسيحية ديانة معترفًا بها، وتعرّض أتباعها لملاحقات منذ العام 64 الميلادي، حين اتهم الإمبراطور الروماني نيرون المسيحيين بإحراق روما. هذا الواقع دفعهم إلى اعتماد رموز خفيّة لا يفهمها سوى المؤمنين، مثل السمكة والمرساة والراعي والحمامة وغيرها.
ويرتبط العامل الثاني بالتصوّر الثقافي للصليب في تلك المرحلة، إذ بقي يُنظر إليه باعتباره أداة عار، ما جعل الإيمان بإله مصلوب موضع سخرية في الأوساط الوثنية. أمّا العامل الثالث فيتصل بالخلفية الرمزية للصليب نفسه، إذ كان شكله الهندسي معروفًا قبل المسيحية، لا سيما في مناطق الهلال الخصيب ومصر، وكذلك استُخدم في بعض التيارات الغنوصية. وقد يكون هذا الاستخدام السابق دفع المسيحيين إلى الابتعاد منه، رغبةً في التمايز عن رموز الأديان السائدة.
مع ذلك، لم يغب الصليب كلّيًّا عن التعبير الرمزي في القرنَين الثاني والثالث، بل ظهر بشكل محدود وخجول؛ فقد عُثر على نقوش صغيرة، من بينها قطعة من حجر اليشب الكريم (Jasper) تُظهر المسيح مصلوبًا بملامح واضحة، محفوظة اليوم في المتحف البريطاني. كذلك برز ما يُعرف بـ«رسم ألكسامينوس»، وهو نقش ساخر عُثر عليه في روما، يجسّد استهزاءً بصلب المسيح، ما يعكس نظرة المجتمع المحيط آنذاك.
في موازاة هذه التعبيرات، ظهرت صيغ رمزية مبكّرة للصليب عبر ما يُعرف بـ«المونوغرام»؛ إذ دمج بعض كُتّاب الأناجيل حرفَي التاو (T) والرو (P) اليونانيين في شكل عُرف بـ«الستاوروغرام»، بدا فيه الخطّان كجسد مصلوب. لاحقًا، تطوّر هذا الدمج ليشمل حرفَي الخي (X) والرو (P)، وهو الرمز الذي تبنّاه الإمبراطور قسطنطين، ومعه بدأ الصليب يأخذ مكانته بوصفه رمزًا أساسيًّا في الفن المسيحي اعتبارًا من القرن الرابع.
تجدر الإشارة إلى أنّ ممارسة رسم إشارة الصليب سبقت ظهوره باعتباره رمزًا فنّيًّا، إذ كانت تُرسَم على الجباه -حسب كتابات ترتليان- منذ القرن الثاني على أقل تقدير، ومع مرور الزمن رافقها ترديد البسملة «باسم الآب والابن والروح القدس»، وتتطوّر لاحقًا لتشمل الصدر والكتفين. أمّا عبارة «الإله الواحد»، فقد أُضيفت -حسب حلّاق- في السياق العربي لتوضيح المفهوم المسيحي في بيئة إسلامية، وتفادي أيّ التباس عقائدي حول وحدانية الإله.