إطلاق تساعيّة صلوات على نيّة تطويب كاهنَي بغديدا الشهيدَين      البطريرك نونا في قدّاسه بالموصل: الإصغاء أحد أهداف زياراتي… والإصغاء هو الرجاء      رئيس الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم: التعايش في كوردستان واقع ملموس وليس مجرد شعار      آدم جوشكون يكشف تفاصيل النقوش السريانية المكتشفة في إشتراكو بطورعبدين      غبطة البطريرك نونا يختتم زيارته إلى زاخو بتكريس تمثال قلب يسوع في بلدة بيدار      غبطة البطريرك نونا يفتتح سوق ألقوش التراثي      قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني يزور قداسة أخيه الكاثوليكوس آرام الأول      غبطة البطريرك نونا يستقبل المهنّئين في مطرانية دهوك      من نوهدرا، قناة عشتار الفضائية ترحب بغبطة البطريرك مار بولس الثالث نونا      البطريرك مار بولس الثالث نونا يستقبل دولة رئيس وزراء إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني في عنكاوا      البابا يغادر مهبط المروحيات بالفاتيكان، ويبدأ زيارته الراعوية إلى بافيا وسانت أنجلو لوديجيانو      الرئيس مسعود بارزاني يؤكد دعمه لمقترح عقد مؤتمر مُحافِظي العراق في أربيل      دراسة تكشف.. هل يمكن للدماغ استعادة نشاطه دون نوم؟      خطر يهدد البشرية.. كيف يغير المناخ خارطة انتشار فيروسات القوارض القاتلة      0-3: فينيسيوس جونيور حاسم في انتصار البرازيل على هايتي      نائب: الحقول النفطية في العراق تعود لمعدلاتها القصوى خلال ساعات      موجة حر جديدة تضرب أوروبا الغربية وتدفع دولا بينها فرنسا لرفع مستويات الإنذار      ختم أثري من عرق اللؤلؤ يقدم رؤية جديدة للحياة في إسرائيل القديمة خلال العصر الآشوري      من أثواب الملوك إلى هياكل الطائرات.. "الحرير الخارق" يمهد لثورة تقنية      صراع مبكر على قمة سباق الحذاء الذهبي في مونديال 2026
| مشاهدات : 330 | مشاركات: 0 | 2026-06-20 12:52:05 |

قصص قصيرة /خيبات تحت سماء العراق

أسعد عبدالله عبدعلي

 

(1)

مشنقة بتوقيت بغداد الجديدة

 

 ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم الرابع من حزيران عام 1997؛ لم يكن مجرد أربعٍ وعشرين ساعة عبرت ركود الأيام، بل كان فخاً زمنياً أطبق على روحيهما معاً. كلما فرّا من خطوط التجاعيد على وجهيهما، أعادهما التفصيل ذاته إلى ذلك الزقاق، وإلى الساعة التي تجمدت عقاربها عند حافة الانتظار. كان موعداً مشحوناً بالوعود، لكن القدر غافلهما ليترك الحكاية معلقةً في المنتصف.

 

ساعة الجدار في مطعم "الدامياء" لم تكن تقدم الوقت، بل كانت تطحنه طحناً بطيئاً مرعباً. في تلك الزاوية القصية من "بغداد الجديدة"، كان يجلس وحيداً، يراقب عقرب الثواني وهو يغرس إبره المعدنية المدببة في لحم صمته وانتظاره المتفحم. في ذلك الزمن الذي يخلو من الهواتف المحمولة، يغدو الجلوس دون جليس مواجهة عارية، شرسة ومباشرة مع المجهول، حيث ينبثق الوقت من إطاره الفيزيائي البارد ليتحول إلى وحش ضاري ينهش الوعي.

 

للمرة الثالثة، يقتحم النادل عزلته بابتسامة متكلفة صيغت من مجاملات باهتة، ليقذف في وجهه سؤاله الرتيب: "تطلب شي عيوني؟"، فيكتفي بإيماءة نفي خرساء، شاعراً بكلمات النادل كأنها وخز ميكانيكي حاد يجلده، ويذكره بعبثية الموقف وهوانه.

 

غرق في لجة مونولوج داخلي سحيق، متسائلاً بمرارة فلسفية: أليس الانتظار في جوهره اعترافاً صامتاً ومذلاً بأن وجودنا كائنات ناقصة، ومبتورة لا تكتمل إلا بعبور الآخر؟ وماذا لو كان هذا الآخر بأكمله مجرد وهم ركّبناه في مصانع المخيلة المهجورة؟ بدأت الظنون السوداء تنهش هدوءه المصطنع، وتقذف بعقله القلق بين سيناريوهات الفجيعة؛ هل الأمر كله مجرد مقلب فج وألعوبة طفولية دُبِّرت لكسر كبريائه المتغطرس؟ أم أن عارضاً أسود في منعرجات شوارع بغداد ودروبها قد خطفها من الوجود؟ أم أنها، وهو الاحتمال الأكثر إيلاماً، لا تحبه، وأن هذا الغياب هو رسالة رفض واضحة؟

 

مع كل فكرة مسمومة كانت تتخلق في رأسه، كان الهواء في الصالة يغدو رصاصاً كثيفاً يمتص الأكسجين من رئتيه، وجدران "الدامياء" تضيق وتزحف نحوه لتطبِق على أنفاسه. امتدت أصابعه المرتجفة في حركة مذعورة إلى ربطة عنقه، فكّ عقدتها بعنف أهوج وهو يشعر باختناق حاد وضيق لم يكن يسببه القماش قط، بل تسببه فكرة الخذلان التي طوقت عنقه كحبل مشنقة.

لم يعد يطيق البقاء في دور الطرف الأضعف، ذلك الطرف المهزوم في معادلة الانتظار, انتفض واقفاً بغتة، حاسماً أمره بمرارة تقطر قيحاً، وغادر المكان بخطى متعثرة وهو يهمس لنفسه باحتقار مبطن بالهزيمة: لعنة الله على الحب... إنها لعبة خاسرة.

 

بعد رحيله بنصف ساعةٍ قطّعت نياط الأمل، وصلت هي، والأنفاس في صدرها تتسابق مذعورةً مع دقات قلبها الخائف، ووجهها الشاحب يحمل آثار رعبٍ حقيقي خطّته تضاريس ازدحام بغداد الخانق، حيث حافلات "الريم" والسيارات المتكدسة كأجسادٍ بلا أرواح شلّت الحركة تماماً في الشارع العام، لتقضي نصف ساعةٍ مريرة، بائسة، وهي عاجزة في هذا العصر الخالي من الهواتف عن إبلاغه بأي وسيلةٍ أنها تقاتل الوقت في الطريق إليه.

 

صعدت درج المطعم مهرولة، والكون يضيق في عينيها اللتين تتلفتان بجنونٍ بحثاً عن ملامحه التي رسمتها في خيالها لأيامٍ وليالٍ، لكن الزاوية كانت فارغةً كفراغ روحها، والمقعد بارداً كبرود الموت، والنادل ينظف الطاولة بنظرةٍ آلية خالية من أي اهتمام.

 

في تلك اللحظة، سقطت فوراً في فخ الأسئلة النفسية القاتلة، ولكن من الطرف المقابل للوجع ذاته؛ فتساءلت بمرارةٍ تنهش وعيها إن كان ما جرى مقلباً خبيثاً منه ليعاقبها ويهين أنوثتها، أم أنه خدعها منذ البداية ولم يطأ المكان أصلاً، أم أنه ببساطة لا يحبها بما يكفي ليدفع ثمن الانتظار؟ اصطدمت فلسفتها بجدار الواقع الأصم، وتساءلت بمرارة غاضبة عن هشاشة هذا الحب المزعوم الذي لا يحتمل اشتياقه صبر نصف ساعةٍ على أرصفة الأعذار، وعما إذا كانت "الأنا" لديه قد تضخمت وتورمت إلى حدٍ قتل فيه كل احتمالات الالتماس والتماس العذر.

 

هبطت درجات "الدامياء" بخطى وئيدة واجفة، كأنما تجر خلفها سلاسل الخيبة وأثقال انكسار مرير. كانت تمشي كأثر عابر يلملم شظايا كبريائها الجريح، في عصر غاشم بدائي، شحت فيه سبل الوصال وغابت وسائل التواصل الفوري، لتسوده قسوة الأحكام الجائرة المتسرعة، وتتحكم بمصائره قطيعة أبدية لا رجعة فيها.

ومثل غيمة حالكة مثقلة بالسموم واللواعج، نفثت في فضاء "بغداد الجديدة" زفرة حارقة، صاغتها في عبارة واحدة اختزلت بها دوي خيبتها التي هزت أركان روحها، فقالت بنبرة غلبها الأسى: "سحقاً للحب... و.."... ومع تلاطم الحروف في فم المدينة، بقيت تلك الـ "واو" معلقة في الهواء كمشنقة للأمنيات، تاركة خلفها صدى مأساة لم تكتمل، وعاصفة من الصمت تبتلع ما تبقى من حطام القلب.

 

 (2)

قرابين في محراب بعل

 

في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"، غرسنا معاً حكايات دافئة، وتقاسمنا فيها تفاصيل صغيرة؛ خبز الأيام، وملح العِشرة، وأسراراً ظننا أن الليل لن يفشيها أبداً.

 

كانوا يرتدون أقنعة نُسجت من خيوط النور، ملامح ممعنة في الرقة والقرب، حتى خُيل لقلبي الأخضر أن أرواحنا تآخت في السماء قبل أن تلتقي أجسادنا على الأرض. بسلامٍ طفولي، أودعتُ روحي في أكفهم، ونمتُ ملء جفوني مستنداً إلى جدار ثقتهم، واثقاً أن الجدران لا تميل.

 

لكن الحياة قطارٌ غريب، يسير على سككٍ عوجاء؛ في محطاته المقلوبة، يرتفع الزيف ليتصدر المشهد، بينما يُدفع بالنقاء ليتوارى في الخلف.

 

فجأة، ومن مسافةٍ لا تفصل بين القلب والقلب، انغرس النصل في الظهر. لم تكن الطعنة مؤلمة لحدة معدنها البارد، بل لهوية تلك اليد الدافئة التي حملتها. التفتُّ لأرى ذلك الوجه الذي طالما أملتُ فيه خيراً، وقد انسلخ عن قناع النور ليفرز ملامح غريبة، تبتسم بانتصارٍ رديء. يا للمفارقة.. أولئك الذين أمسكتُ بأيديهم طويلاً وعلّمتهم كيف يمشون، كانوا أول من ركضوا بخيولهم فوق جراحي.

 

تتحدث الأساطير الغابرة عن انبعاث العهود المظلمة، وعن دبيب الحياة في عروق طرقاتٍ موحشة، عاد التاريخ ليمهدها كي تُعبد فوقها الآلهة الراقدة في جوف الإثم. هناك، في العتمة الارتدادية للبشرية، يُرفع "بعل" من جديد؛ إله الغدر المكلل بالخديعة، وسيد الشرور التي تفيض بها نفوسٌ خلعت ثوب آدميتها.

 

حين التفتُّ لتقصّي أثر الطعنة، ونظرتُ في عيونهم، لم أرَ مجرد ملامح بشرية غادرتها المروءة وجفت فيها دماء الحياء، بل أبصرتُ معابداً كاملة البنيان قائمة في مآقيهم، وقرابين من لحمي تُذبح على نيتهم، وتراتيل خفية من المكر تُتلى في محراب ذلك الوثن القديم.

لقد شيّدوا حيواتهم، وجلسوا على عروش صعودهم الزائف، لكنها عروشٌ واهية نُحتت من التواء الخيانة، وقامت على جماجم الوعود. ما أشد مفارقات الوجود؛ إننا نموت مرة واحدة بنصل الغرباء، لكننا نموت ألف مرة في اليوم الواحد لأننا أسندنا أرواحنا إلى جدرانٍ حسبناها قريبة، فكانت أول ما سقط علينا.

 

وهنا يقف القلب على حافة السؤال الكبير: هل يملك الغدر القدرة على مصادرة حقنا في الأمان وسلبنا فضيلة الثقة بالآخرين تماماً، أم أنه ليس سوى منخلٍ قاسٍ وضعتْه الحياة لتنقية دروبنا من أصحاب الأقنعة والمسوخ؟










h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.5657 ثانية