

أثبتت التجارب التاريخية إن أصحاب الضمائر الحية من الزعماء والوزراء والقادة، الذين أسهموا في انتشال شعوبهم من الفقر والجوع والتخلف، هم الذين كانوا على استعداد دائم للتضحية بأرواحهم من أجل سعادة شعوبهم، وهم الذين أفنوا أعمارهم في سبيل ضمان سيادة أوطانهم واستقلالها، فنضال الفرد يتوارى مع نضال الجماعة (الشعب). وهنا تكمن الفوارق بين البطل الحقيقي، والدكتاتور الكارتوني المتمسك بنظرية (القائد الضرورة). كم تمنيت أن يتعلم هؤلاء مبادئ القراءة المعمقة حتى يستلهموا الحكمة من تجارب العظماء، الذين عززوا قوة شعوبهم بأبسط الأدوات وأسرعها.
تعالوا نلقي نظرة على الساموراي (مياموتو موساشي)، الذي يعد من أشهر القادة الذين أسهموا في رسم ملامح الشخصية اليابانية بكل أبعادها الأخلاقية والعلمية والإستراتيجية. وربما كانت جرعاته الفلسفية لتحفيز الذات، ودعواته الحثيثة لإيقاظ شعلة النجاح في روح المواطن الياباني، هي التي أوصلته لاكتشاف الأدوات التحفيزية، التي عثر عليها من خلال تجاربه المضنية، واستعان بها في فتح مغاليق الطاقات البشرية القادرة على الإبداع وتحقيق المعجزات. كان يقول لجماعته: لا معنى للعدالة من دون قوة، لكن تلك القوة لن تكون مجدية من دون عدالة، وإلا فأنها ستتحول إلى نوع من أنواع العنف المفرط. ويقول لهم: استعملوا قدراتكم الذاتية لحماية أنفسكم وحماية الآخرين. ويقول لولده: لا يوجد شيء ينقصك حتى تصبح أفضل - أقوى - أكثر ثراءً - أسرع - أو حتى أكثر وسامة، فكل شيء موجود بالفعل بداخلك. فقط عليك أن تبحث عنه في ثنايا شخصيتك. وصدق سيد البلغاء عندما قال: (أتزعم أنك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر).
ومتى يتعلمون من المهاتما غاندي، الذي وحّد القارة الهندية كلها على اختلاف قومياتها ودياناتها وطوائفها، وعلى اختلاف عاداتها ولغاتها وتوجهاتها، بأدوات بسيطة كان فيها في طليعة الذين قدموا للعالم أفضل التجارب الواقعية في العفة والنزاهة، وفي الاستقامة والوطنية والأخلاق الرفيعة، فبعدما حققت الهند استقلالها، زار (غاندي) انجلترا، وبينما كان يتجول في شوارع لندن. استرعى انتباهه أحد محال بيع المجوهرات، فوقف متأملا معروضاته. قال له صاحب المحل: (من دواعي فخري أن تكون هنا لتشاهد معروضاتنا. فلدينا أعمال كثيرة ذلت قيمة عالية، وذوق وجمال، ويسعدني أن أبيعك ما تريد). رد (غاندي) قائلاً: (لا شك أن ذلك يسعدني كثيراً. لكن ما يدهشني هو أنه مع علمي بأنه يمكنني الحصول على هذه الهدايا الثمينة، فإنه لا يزال بإمكاني أن أعيش، وأحظى باحترام الشعب الهندي من دون اقتناء أي مجوهرات).
في هذه الأيام الرمضانية المباركة، تزعجنا كثيراً تلك التصريحات البليدة، التي يطلقها بعض الوزراء والقادة من الذين ماانفكوا يتبجحون بثرواتهم الطائلة، ويتباهون في الفضائيات بأرصدتهم الفلكية، وحقولهم الوارفة، ومعاملهم المنتجة. ومن كان على شاكلتهم من هذه (النمونة). يتحدثون بتفاخر عن مشاريعهم الاستثمارية المربحة متجاهلين ضعفنا وفقرنا وتخلفنا وسوء أحوالنا.