
في روما، كانت قراءة الطير والسماء والغيوم والنجوم جزءاً من الممارسة الدينية-السياسية، قبل القيام بأعمال عامة وحملات عسكرية (pixabay)
عشتارتيفي كوم- اندبندنت/
ليلة رأس السنة تشكل عتبة بين عامين. العتبة في حياة البشر كانت دائماً لحظة ترقب، لأن القديم انتهى، والجديد لم يتشكل بعد. الأنثروبولوجيا تشبه الأمر بنموذج "طقوس العبور"، وبحسب الفلوكلوريست ودارس العادات والتقاليد والثقافات المحلية، أرنولد فان خنيب، فإن احتفالات رأس السنة هي نوع من العبور الذي يحتاج إلى طقس.
ممارسات توقع المستقبل والتنجيم في زمننا المعاصر تكاد تكون طقوساً دينية أو بديلاً عنها، كما يقول الأنثروبولوجي فيكتور تيرنر Victor Turne، فهي تولد شعور تضامن موقتاً كالذي يولد في اللحظات الطقسية. وتيرنر من أهم من كتبوا عن المرحلة البينية، يشرح أن الطقس في لحظات العبور يمكن أن يصنع شعوراً للجماعة باللحمة والتقارب ولو فترة موقتة، وكأن الدخول في الزمن القادم هو دخول جماعي.
في عصر شاشة البث الفضائي والفضاء الرقمي، تُصنع هذه المساحة الجماعية الطقوسية الموقتة عبر بث سهرات التوقعات والتنجيم والتنبؤات كحدث له توقيته وقداسته الرمزية، فيتحول إلى ما يشبه "معبد موسمي".
ويرى علماء النفس أيضاً أن طقوس التنجيم التلفزيونية والإعلامية في سهرات رأس السنة، تخلق نسبة مشاهدة عالية وذلك لحاجة النفس إلى قراءة للمستقبل حتى ولو كانت غير مطمئنة.
وهكذا يصبح قارئ الأبراج والتوقعات رجل دين موسمياً ينتظره المؤمنون أو الفضوليون من المتابعين لكي يخبرهم بما قد يحدث معهم مستقبلاً. ويقدم كذلك قراءاته في الأحداث العامة المتعلقة بالجماعات والدول والحكومات والمسؤولين الكبار، فينتقل من كونه قارئاً للنجوم ومواقعها وتأثيراتها في الحياة الفردية إلى متنبئ لأحداث الغيب. وكثر الذين يصدقون هذه التنبؤات ويؤمنون بتنبؤات نوستراداموس على سبيل المثال على رغم مرور قرون على ظهورها، وهناك من يطابق أحداثاً حصلت بالفعل ليؤكد صحتها.
رأي ورأي مقابل
يقول معظم المنجمين والمتنبئين إن ما يقومون به هو جزء من علم الفلك، وإنهم لا يقدمون "علماً" بالمعنى المختبري، بل "لغة رمزية" تساعد الناس على فهم أنفسهم عبر وصف إيقاعات نفسية أو اجتماعية. والتنجيم، في نظرهم، تقليد معرفي قديم، عاش آلاف الأعوام، وارتبط بالتاريخ والفلسفة والطقوس وظل حاضراً تاريخياً بصور عدة.
أما الموسوعة البريطانية فتعتبر أن علم الفلك هو دراسة الأجرام والظواهر التي تقع خارج الغلاف الجوي للأرض من كواكب ونجوم ومجرات وانفجارات كونية، وإشعاع الخلفية الكونية… إلخ، وهو علم يقوم على الرصد والقياس والمعادلات والاختبار وتصحيح الأخطاء، حتى وكالة "ناسا" تفرق في تعريفها علم الفلك على أنه علم قائم على الدليل والبيانات، بينما التنجيم يقوم على الاعتقاد بأن مواقع الأجرام تصف الأشخاص أو تتنبأ بالمستقبل وهذا نظام عِرافي واعتقادي، أو معرفة غير علمية أو "شبه علم" أو "عرافة حديثة" أو نظام تأويلي بحسب علماء الفلك، وفي الموسوعة البريطانية هو "تنبؤ/عرافة" مبنية على قراءة موقع وحركة الأجرام كعلامات ذات معنى على حياة البشر.
التنبؤ عبر التاريخ
في حضارات بلاد ما بين الرافدين، لم تكن قراءة السماء من أنواع الهوايات، بل جزءاً من السلطة التي تشير إلى الأخطار الغيبية وتأثيراتها الواقعية، وتتمتع بصدقية لدى الحكام والناس عامة. وقد جرى اكتشاف سلسلة ألواح شهيرة تُعرف باسم "إنوما" أنو "إنليل"، تربط الظواهر السماوية بأقدار الملك والدولة، وبعضها معروض في المتحف البريطاني ضمن مكتبة آشوربانيبال، وتقدمها بوصفها سلسلة معتقدات سماوية تقوم على إشارات تكتبها السماء، وعلى الكاهن الكاتب أن يقرأها.
وفق علم الإنثربولوجيا، فإن هذه المعتقدات والتوقعات عبر قراءة الأجرام وغيرها، كلها كوسائل لترويض المجهول حين تكون كلفة الخطأ عالية.
في حضارات الرافدين، وخصوصاً في التقليد البابلي-الآشوري، نجد سلاسل واسعة من "العلامات السماوية" تُدون وتُرسل للملك.
أما في روما فكانت الموافقة الإلهية شرطاً سياسياً، ولم يكن القرار العام مجرد قرار يتخذه الحكام من منطلق شخصي، بل يحتاج إلى إشارة من الآلهة، وكان العرافون الأوغور augur، وهم أعضاء مؤسسة دينية تراقب وتفسر علامات القبول أو الرفض. وتحدد موسوعة Britannica بدقة الوظيفة الأوغورية، وهي ليست التنبؤ بالمستقبل بل معرفة إن كان المسار المقترح مُجازاً دينياً.
في روما، كانت قراءة الطير والسماء والغيوم والنجوم جزءاً من الممارسة الدينية - السياسية، قبل القيام بأعمال عامة وحملات عسكرية. وفي كلا المجتمعين كانت العملية تعني أن المجتمع لا يريد قراراً عارياً من الغطاء، بل يريد أن يعلق القرار على "علامة" أو "رؤيا" أو على "حدس ما ورائي" لا يعرفه إلا قلة من أصحاب السلطة، كي يُخفف مسؤولية الفشل ويُجمل شرعية النجاح.
في التقليد الكونفوشي والسياسي الصيني، اعتُبرت الكسوفات إشارات غضب من "السماء" على الحاكم، أي على شرعيته وسلوكه.
التنجيم يصنع موضوعاً اجتماعياً مشتركاً
يصف علم النفس التنجيم بأنه وسيلة تمنح الناس إحساساً بالاتساق، بمعنى أن شخصيتي وسلوكي ومزاجي مبررة لأنني من "برج كذا". ويقدم التنجيم للأفراد "خارطة احتمالات" تمنح الوهم بالسيطرة، لا سيما خلال أزمنة القلق العالي في حالات الاقتصاد المضطرب والحروب والأمراض الغريبة والمستقبل الضبابي. يأتي التنجيم كطقس جاهز لا يطالب بالتزام أخلاقي ويخفف من التوتر الشخصي، بكلام واسع التكهنات وذي دلالات يمكن فهمها بطرق مختلفة وربما متعاكسة أيضاً.
واستشهد كثر بتجربة شون كارلسون Shawn Carlson المنشورة في مجلة Nature كنقطة مرجعية في النقاش حول التنجيم، فبرأيه عندما لا توجد آلية قابلة للفحص ولا نتائج تتكرر بصورة موثوقة، يخرج الادعاء من دائرة المنهج العلمي، وهنا يصبح التنجيم لغة دلالات أكثر منه لغة أسباب، ويصير نجاحه إعلامياً مفهوماً لأنه يبيع الفكرة بسرعة ومن دون حاجة إلى برهان، وهناك من يعتبر التنجيم ليس دائماً عملية خداع متعمد، بل هو أحياناً صناعة فكرة، والأهم أنه يعمل كموعد جماعي، و"الطقوس الإعلامية" في سهرة رأس السنة لا تنقل الحدث فقط، بل تصنع لحظة جماعية مشتركة.
والحديث الإجتماعي عن الأبراج هو بمثابة مفتاح، حيث يحتاج الناس دائماً إلى "موضوع مفتاح" لبداية حديث إما إلى طاولة العشاء أو في استراحة العمل أو في السهرة العامة أو سيارة الأجرة والأماكن العامة وغيرها.
كيف وُلد برج للجميع؟
التنجيم الحديث تغير حين صار للعموم لا لمن يطلب خريطة ولادة خاصة. في بريطانيا تُذكر قصة نص كتبه ريتشارد هارولد نايلور عام 1930 في صحيفة Sunday Express كبداية رمزية لعمود الأبراج الجماهيري، في ذلك الحين باتت توقعات الأبراج فقرة تُقرأ مثل الطقس اليومي لقراءة الصحيفة مع فنجان القهوة، وهكذا دخلت الأبراج عواميد الصحف اليومية، ثم جاءت الشاشة وأكملت أداء هذا الدور بصورة وسعى ليصل إلى فئات أشمل من المتابعين.
إذا رجعنا خطوة إلى الوراء، سنرى أن السماء لم تكن يوماً تتكلم مباشرة مع الناس، دائماً كان هناك مترجم أو وسيط. في المجتمعات القديمة كان المترجم كاهناً أو عرافاً أو "عالِم علامات" مرتبطاً بالسلطة أو بالمعبد، ليس لأن السماء كانت تملك لساناً، بل لأن المجتمع كان يحتاج إلى مؤسسة تقول له ما يعنيه الكسوف أو المذنب، والإشارات التي توجب الدخول في حرب أو عدم خوضها، أو تحديد موعد الزراعة وأحوال الطقس في الأعوام المقبلة، ومن هنا نفهم أن المفاتيح لم تكن يوماً في النجوم وحدها، بل كانت في المؤسسة التي تمنح تفسير النجوم شرعية ذات سلطة.