

في سنوات السَّفر برلك العصيبة، إبّان الحرب العالمية الأولى والحكم العثماني، كان الشاب جردو شمّو القس يونان في نحو السادسة عشرة من عمره. وكانت تلك الأيام ثقيلة الوطأة على الناس، إذ فُرض التجنيد الإجباري على الشباب، فهرب كثيرون إلى الجبال والبراري خوفاً من السوق إلى الحرب.
وكان إخوة جردو قد سبقوه إلى الهرب، واختبأوا في كهف صغير في جبل القوش (١). أما والدهم، المدعو شمّو (٢)، فقد تعرّض لضغط شديد من الحاكم التركي في القوش وقوة الجندرمة (٣) التابعة له، إذ كانوا يطالبونه بإحضار أولاده وتسليمهم إلى السلطات لسَوقهم إلى الخدمة العسكرية. لكن الرجل لم يكن قادراً على ذلك، لأن أبناءه كانوا متوارين عن الأنظار.
ولم تكتفِ السلطة بالضغط والتهديد، بل قامت ذات يوم بالقبض على الأب، وأرغمته على ركوب دابة بعد أن سوّدوا وجهه بالفحم، وأجلسوه بالمقلوب في أزقة البلدة أمام الناس بقصد إذلاله وتحطيم معنوياته. ومع ذلك بقي الأب عاجزاً عن تسليم أولاده، لأنه لا يعرف مكان اختبائهم بدقة، ولأنه كان يخشى عليهم من مصير مجهول في جبهات الحرب.
وبعد مدة، اعتقلت السلطات الابن الأصغر جردو، وساقته مع مجموعة من الشبان إلى معسكرات التجميع الخاصة بالمجندين. وفي تلك الأيام لم تكن السيارات متوفرة، فكان المساقون يسيرون على الأقدام لمسافات طويلة عبر البراري والطرق الترابية.
وفي إحدى الليالي، اغتنم جردو فرصة سانحة وهرب من المجموعة. أخذ يركض في البرية وهو لا يعرف إلى أين يتجه، تائهاً بين الخوف والظلام. وبعد ساعات لمح ضوءاً بعيداً، فتوجّه نحوه حتى وصل إلى قرية عربية قرب الموصل، لا يُعرف اسمها اليوم على وجه التحديد.
استقبله أهل القرية بكرم وإنسانية، ولما علم شيخ القرية بقصته آواه بينهم. ثم طلبوا منه أن يبقى ويعمل معهم راعياً للأغنام، لأنه لم يكن يعرف طريق العودة إلى بلدته القوش، ولا حتى موقعه الحالي. وهكذا عاش بينهم سنوات طويلة تجاوزت الخمس، يرعى الأغنام ويتجول في البراري والسهول، حتى صار واحداً من أهل المكان.
ومع مرور الزمن، رقّ قلب الشيخ الذي آواه، وقرر أن يعيده إلى أهله. فأخذ يسأله عن بلدته وأسماء المناطق القريبة منها، ثم اصطحبه بنفسه في رحلة العودة حتى وصلا إلى بيادر سينا، في مكان يُدعى «خووشة». وهناك أرسل الشيخ خبراً إلى أهله يعلمهم بوجود ابنهم.
وما إن وصل الخبر حتى خرج أهل القوش لاستقباله بالهلاهل والزغاريد والدموع، بعد غياب طويل ظنّ كثيرون أنه لن يعود بعده أبداً. وحين أُبلغ والده شمّو بقدوم ابنه، لم يصدق الخبر في بادئ الأمر، ثم انفجر بالبكاء المرّ حتى اكتحلت عيناه بمرآه. ومنذ ذلك اليوم نشأت علاقة مودة واحترام بين عائلة جردو وذلك الشيخ العربي الرحيم الذي أعاد إليهم ابنهم الضائع.
أما جردو، فقد عاد مختلفاً عمّا كان عليه قبل الرحيل. كان يحمل في ذاكرته حكايات كثيرة سمعها في تلك القرية العربية، وأخذ يرويها للشباب الذين كانوا يلتفون حوله في ليالي السمر. ومن أشهر ما كان يرويه لهم قصص أبو زيد الهلالي وألف ليلة وليلة، بما فيها من بطولات ومغامرات وأسفار عجيبة، فكان الناس يصغون إليه بإعجاب، وكأنهم يسافرون معه إلى عوالم بعيدة.
وهكذا انتهت حكاية جردو، تلك الحكاية التي تختلط فيها قسوة الزمن برحمة الناس، والخوف بالأمل، والضياع بالعودة.
الهوامش:
(١) منذ تلك الأزمنة أصبح اسم المكان «كهف بيت القس يونان» وإلى يومنا هذا.
(٢) أولاد شمّو هم:
هرمز: والد عبد وبدري.
بتي: والد أوراها، دنو، يوسف، ورحيم.
يونس: والد سامي وبحو.
جردو: والد حسقيال، إسرائيل، كليانا، وميخا.
(٣) الجندرمة: قوة نظامية تركية كانت تؤدي مهام الشرطة بين المدنيين في المناطق الريفية.
مصادر الموضوع:
١- صلاح أوراها القس يونان، المقيم في القوش.
٢- جميلة برنو ججو برنو، التي يزيد عمرها اليوم على تسعين سنة.
California on May 17, 2026