
هذه الصورة التاريخية تعود لكنيسة "نوكا ساكداري" (Nuka Sakdari) الأثرية في آرتوين وقد تم التقاطها بواسطة العالم والمستشرق الشهير نيقولاي مار (Nikolay Marr) خلال رحلته الاستكشافية التوثيقية للمنطقة في عام 1904، ونُشرت لاحقاً في كتابه التاريخي عام 1911. مصدر الصورة: مستودع ويكيميديا كومنز الحُر / تصوير المستكشف: نيقولاي مار (عام 1904) / الصورة تقع في الملكية العامة والنطاق المفتوح لمرور أكثر من 100 عام على نشرها الأول
عشتارتيفي كوم- basilica.ro/
أرتفين – تركيا | 22 أيلول/سبتمبر 2026
تواجه كنيسة نوكا ساكداري التاريخية، التي يعود تاريخها إلى نحو 11 قرناً، خطر الانهيار في شمال شرقي تركيا، فيما تستعد بعثة دولية من خمسة بلدان لتنفيذ مشروع علمي وهندسي لتوثيق المبنى تمهيداً لإنقاذه وترميمه، في محاولة للحفاظ على واحد من الشواهد النادرة على التراث المسيحي والعمارة الجورجية في المنطقة.
وتقع الكنيسة في منطقة جبلية نائية بولاية أرتفين، فوق منصة ضيقة تطل على وادٍ شديد الانحدار، ولا يمكن الوصول إليها بالمركبات. وقد أدى موقعها المعزول وتدهور حالتها الإنشائية إلى تعقيد جهود الحفاظ عليها، فيما انهار بالفعل جزء من سقفها الحجري، تاركاً أجزاء من المبنى مكشوفة أمام العوامل الطبيعية.
بعثة دولية لإنقاذ معلم تاريخي مهدد
ومن المقرر أن يصل فريق دولي من المتخصصين إلى الموقع بين 7 و20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمشاركة خبراء في العمارة والهندسة والتصوير والحفاظ على التراث من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا والأرجنتين.
وستتمثل المهمة الأولى للبعثة في إعداد توثيق معماري وهندسي شامل للكنيسة، يتضمن المخططات والمساقط والواجهات والمقاطع المعمارية، إضافة إلى توثيق موقعها والبيئة المحيطة بها.
ويعد هذا التوثيق خطوة أساسية قبل بدء أعمال الترميم، إذ لا تتوافر حتى الآن وثائق معمارية حديثة وشاملة يمكن الاعتماد عليها في إعداد مشروع تدعيم المبنى والحصول على التصاريح والتمويل اللازمين.
وكان الباحث الروسي نيكولاي مار قد وثق الكنيسة بالصور عام 1904، إلا أن المبنى لم يخضع، وفق القائمين على المشروع، لعملية توثيق معماري متكاملة تسمح بوضع خطة علمية لإنقاذه.
التكنولوجيا الحديثة تدخل موقعاً معزولاً
لن تقتصر المهمة على القياسات التقليدية، إذ سيستخدم الخبراء تقنيات حديثة لتوثيق الكنيسة بدقة عالية.
وسيخضع الجزء الداخلي للمبنى إلى مسح ليزري ثلاثي الأبعاد، فيما ستستخدم الطائرات المسيّرة لتصوير الأجزاء الخارجية التي يصعب الوصول إليها بسبب التضاريس الوعرة.
وستُجمع البيانات لإنتاج سحابة نقاط ثلاثية الأبعاد ونموذج رقمي دقيق للكنيسة، بما يسمح للمتخصصين بدراسة حالتها الإنشائية وتحديد مواضع التصدعات والأضرار، فضلاً عن توفير قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها خلال مراحل الترميم المستقبلية.
ويأمل الفريق أن تساعد هذه التقنيات في توثيق تفاصيل المبنى قبل فقدانها، خصوصاً في ظل استمرار تعرض الكنيسة للعوامل الطبيعية وتدهور أجزاء منها.
أسبوعان من العمل والإقامة داخل الكنيسة
وتفرض الطبيعة النائية للموقع ظروفاً استثنائية على أعضاء البعثة؛ فلا توجد بالقرب منه، بحسب القائمين على المشروع، شبكة كهرباء أو تغطية للهواتف المحمولة أو أماكن إقامة.
ولهذا سيضطر أعضاء الفريق إلى الإقامة في موقع الكنيسة طوال فترة المهمة، حيث سيعملون وينامون ويعدون طعامهم في المكان نفسه لمدة تقارب أسبوعين.
ويؤكد منسق المشروع، المهندس المعماري الإسباني تاسيلو دي لا توري شونبورن، أن التوثيق يمثل نقطة البداية لأي تدخل لإنقاذ المبنى، موضحاً أن غياب الرسومات والوثائق يجعل الحصول على التصاريح والتمويل وحتى تنفيذ أعمال الحماية الأولية أمراً بالغ الصعوبة.
خطة لتدعيم الكنيسة في 2027
وبعد الانتهاء من عمليات المسح والتوثيق، يعتزم الفريق تقديم النتائج إلى هيئة التراث في أرضروم، تمهيداً للحصول على الموافقات اللازمة للانتقال إلى المرحلة التالية.
ويخطط المشروع لبدء أعمال تثبيت وتدعيم الكنيسة خلال عام 2027، على أن تنفذ الأعمال بالتعاون بين متخصصين أتراك وخبراء في ترميم العمارة التاريخية.
ولا يقتصر الهدف على منع انهيار المبنى، بل يسعى المشروع إلى الحفاظ على العناصر المعمارية المتبقية وتوفير سجل علمي يمكن للأجيال المقبلة الاعتماد عليه في دراسة الموقع.
كنيسة تحمل ذاكرة قرون من التاريخ المسيحي
وتكتسب نوكا ساكداري أهمية تتجاوز عمرها المعماري، إذ ترتبط بتاريخ العمارة المسيحية الجورجية في منطقة تاو-كلارجيتي، وهي منطقة لعبت دوراً بارزاً في تطور الثقافة والعمارة المسيحية الجورجية خلال العصور الوسطى.
كما أن موقع الكنيسة وعزلتها جعلاها من المعالم التي لم تحظَ بالقدر نفسه من التوثيق والدراسة الذي حظيت به مواقع مسيحية أخرى في المنطقة.
وتشير دراسات سابقة إلى أن الباحثين اهتموا بالموقع منذ أكثر من قرن، إلا أن بعض جوانب تاريخه لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، بما في ذلك طبيعة علاقته بالمجمع الرهباني الذي يُعتقد أنه كان قائماً في المنطقة.
فيلم وثائقي للمساعدة في إنقاذ الكنيسة
وبالتوازي مع المشروع الهندسي، يعمل الفريق على إنتاج فيلم وثائقي قصير تتراوح مدته بين 10 و20 دقيقة، يوثق الكنيسة والبعثة والظروف الصعبة التي يعمل فيها الخبراء.
ويهدف الفيلم إلى التعريف بالموقع وإبراز قيمته التراثية، فضلاً عن المساعدة في جذب التمويل اللازم لاستكمال أعمال الترميم والحفاظ على المبنى.
ويرى القائمون على المشروع أن توثيق الكنيسة بالصورة والفيديو والمسح ثلاثي الأبعاد لا يمثل مجرد إجراء تقني، بل يشكل أيضاً وسيلة للحفاظ على ذاكرة مبنى تاريخي قد لا يبقى على حاله الحالي لفترة طويلة.
سباق مع الزمن
ومع استمرار تدهور الكنيسة وانهيار أجزاء من سقفها، تبدو عملية التوثيق المنتظرة في تشرين الأول/أكتوبر بمثابة سباق مع الزمن لإنقاذ ما تبقى من هذا المعلم المسيحي التاريخي.
ويأمل الفريق الدولي أن توفر نتائج المسح والتوثيق الأساس العلمي والقانوني والمالي لبدء أعمال التدعيم في 2027، وأن تحول دون فقدان كنيسة نوكا ساكداري، التي صمدت نحو 1100 عام، أمام خطر الانهيار والاندثار.