
بقلم: صباح نعمو صادق
سبحان الله الذي خلق الانسان على هذه الهيئة العجيبة , وغرز فيه حبه للارض التي انجبته واحتضنته وربته كام حنون رؤوم , فكيف اذا كانت تلك الارض بلاد الرافدين وقد فاقت شعوب الارض كلها في باسها وادابها وتاريخها وحضارتها .. فيها سكن اولاد نوح وعلى بطاحها حدث الطوفان العظيم وفي ربوعها بني البرج الشهير ومعجزة الجنائن المعلقة ومنها طلع كلكامش باحثا عن اكسير الحياة او عشبة الخلود , وفيها ظهر شيخ الانبياء ابراهيم الخليل في اور الكلدان, ومن اديمها تبددوا وامتدوا في كل جهات الارض, وعلى ارضها قامت اعظم المدن واقدمها فكانت(بابل) و
(نينوى) ومنها طلعت اوضح النبوات على يد دانيال النبي (المسبي مع اليهود في بابل من قبل نبوخذ نصر ) الذي انبأنا عن مجيء السيد المسيح له المجد وعن تقلبات ممالك الارض, من تربتها العطرة انبثقت اول الشرائع والقوانين في مسلة حمورابي الشهيرة, في احد بنودها المدونة بالخط المسماري (اول كتابة ظهرت على الارض) يقول حمورابي: (ان الحاكم الفاسد او الظالم او المرتشي يجلد بالخيزران الحساس حتى يسلخ جلده ويصنع من جلده هذا كرسي للحاكم الجديد الذي يجلس عليه لكي يتذكر ما حلّ بسلفه) وما دمنا بصدد الجلد والخيزران الذي يجلد به الحكام شعوبهم, يقال ان عمار علوش وناظم جزار (بيريه العراق) وعدي صدام حسين كانت هوايتهم المفضلة جلد سجناء الرأي العراقيين بالخيزران الاصلي حتى ينشفوا بدمائهم, وكانت تسكرهم رائحة الموت البطىء بدماءهم الزكية, اكثر مما تسكرهم الخمر التي يحتسونها بشراهة مع مشهد الدم, ويقال ايظا ان ناظم كزار كان يعجبه اختيار الشباب القوي الذي يضج فتوة وحيوية فيتلذذ بدمائهم القانية وهي تنضح بغزارة هذا ناهيك عن اسلوب عدي الشهير في استعمال نفس الخيزرانة لجلد الرياضيين من لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم, ولا تتعجبوا فلله في خلقه شوؤن في ساحة العراق لشعب مغلوب على امره , ففدائيي جيش المهدي اليوم يفضلون قتل كل من يشرب او يبيع المنكر رميا برشاشاتهم السائبة هنا وهناك , خصوصا اذا كان شارب المنكر من شيعة اهل البيت!!.
راح صدام وعصابته وقد ظهر لنا اليوم بقدرة قادر ألف صدام جديد ينهبون مال العراق ويعبثون بخيراته على هواهم وراحتهم فيما الشعب المغلوب على أمره وهو لا زال على حاله السابق، وقد تأمل بعد التغيير خيرا وبركة وسلام بلاد الرافدين وتسمى في سفر الخليقة بارض (شنعار) ويدعوها الكلدان (بيث نهرواثا) ا و (بيت نهرين) نسبة الى النهرين الخالدين دجلة والفرات ومنبعهما في ارمينيا في جبل نيفات المعروف بجبل قلشين (حاليا في تركيا). يجري الفرات من الشرق الى الغرب حتى (مالافيه) ودجلة من الغرب الى الشرق متوجها نحو اشور , الفرات عند (ملاطية) يبدل مجراه فجأة نحو الجنوب الغربي ثم الجنوب الشرقي , وها هي اليوم تركيا وسوريا تطمعان بهذا النهر الخالد الرقراق وتقيمان علية السدود والجسور وتحاولان حجز مياهه السرمدية وقطع مسيرها باتجاه العراق!! اما نهر دجلة فتميل او تنحدر مياهه الى الجنوب ولا يزالان كذلك رغم تقادم الزمن عليهما, تارة يقتربان وتصب بهما فروع وروافد وجداول, وتارة يبتعدان ويلتويان حتى يختلطا في مجرى ومصب واحد يسمى الان بشط العرب ثم يقذفان بمياههما في خليج العجم (الخليج الكلدي سابقا) .
هذا الجواهري الكبير يناغي دجلة الخير من منفاه في براغ عام 1963, قصيدة الجواهري تخترق عالم المنفى وتختصر المسافات لتستقر نشيدا على افواه الناس في ازقة وحارات بغداد.
وكان دجلة للعراقيين في حرب الخليج اخر ملاذ , بعد ان ضاقت بهم الدنيا واطبقت عليهم الخطوب هرعوا الى دجلة الخير والخصب والعطاء يرتوون من مياهه العذبة ويتذكرون غربة الجواهري في دجلة الخير ....
حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا ام البساتين حييت سفحك ظمآنا الوذ به لوذ الحمائم بين الماء والطين يا دجلة الخير يا نبعا افارقه على الكراهة بين الحين والحين اني وردت عيون الماء صافية نبعا فنبعا فما كانت لترويني تصب في الفرات جداول عديدة هي باخ وخابور , ومن الانهر التي تصب في دجلة مياه بطمان وغرزان وباثور وكزر وبهتان وروسور ودوش وخزلة وخابور الشرقي والزاب الاكبر والزاب الاصغر والادهم وديالى ومنحدرة من بلاد العجم بايران التي تسمى الان بعد قيام ثورة الامام الخميني بالجمهورية الاسلامية الايرانية , وهي جمهورية عجيبة يحكمها آيات الله وما أكثرهم حكما مستبدا عدوانيا مطلقا، اما البقعة الواسعة المديدة التي يكتنفها الدجلة والفرات وتفيض خصبا وعطاء ورفاهية فتقسم الى قسمين شمالي وجنوبي. القسم الشمالي يسمى الجزيرة او ما بين النهرين والقسم الجنوبي يشمل تاريخيا ارض الكلدان المسماة الان العراق او الجمهورية العراقية او جمهورية العراق , ومن يدري من الاتي الاعظم , عندما يرحل الامريكان الذين لعبوا بالعراق (شاطي باطي) او (شذر مذر) وتقوم باسم لعبة دكتاتورية الاغلبية الجمهورية الاسلامية العراقية, لتطيح بالمشروع الوطني العراقي برمتة , لتعود بنا القهقري قرونا الى الوراء كما حدث في ايران وهناك اصوات عراقية خيرة تريد انفلاق او انسلاخ العراق عن الدول العربية (اينما حلّ الاعراب حلّ الخراب – ابن خلدون ), وارضاء للمشاعر العربية يمكن القول في الدستور ان العرب العراقيين هم جزء لا يتجزأ من الامة العربية , اما قصة دين الدولة الرسمي فيها هو الاسلام فلا زال هذا الامر محط نقاش وخلاف بين اطراف الحركة الوطنية العراقية , بلاد الرافدين فسيفساء جميلة او عقد فريد من الشعوب والقوميات والاجناس والاديان من عرب وكرد وكلدوآشوريين وتركمان وصابئة ويزيدية وارمن ويهود وفرس وبهائية ( البهائية دين جميع الامم وجميع الانبياء وفي العراق الان اكثر من 50 الف بهائي متبطن بالاسلام بعد ان اصدر الخميني فتوة بتحليل قتلهم). واما اشور فكانت واقعة في وادي دجلة الاوسط يحدها من الشرق الادهم وبلاد مادي , وشمالا جبال قراجة طاغ او ماسيوس وغربا وجنوبا الفرات والخابور, وكانت ارض العراق القديم ( بلاد اشور الكلدان ), خصيبة وتربتها معطاء عامرة بمدن كثيرة عظيمة زاهية , وكان نظام الري والسقي فيها عجيبا تشقها مياه دجلة والفرات والزابين وغيرها بالقنوات والسدود والسواقي حتى صارت ارضهم (ارض السواد) تاتي بانواع الحبوب الوفيرة وصار الواحد ياتي بمائة ضعف وبمائتين او ثلاثمائة .
قال المرحوم العلامة يوسف رزق الله غنيمة ( ابن عم المغفور له البطريرك يوسف غنيمة) وهو ايظا وزير مالية سابق بعد الوزير اليهودي العراقي الشهير ساسون حسقيل وعين في (مجلس الاعيان العراقي), ليس في كل جهات العالم ارض تضاهي ارض الرافدين خصوبة وعطاء وخيرا فان الحبوب تعطي مائتي ضعف وعند الاقبال تعطي اكثر من ثلاتمائة ضعف. وجاء في رحلة المؤرخ الرحالة هيرودوت الذي عاش في الجيل الثالث قبل المسيح ما نصه .. (تنمو عند الكلدان الزروع, وورق الشعير والحنطة عندهم بعرض اربعة اصابع وهي اكبر من اذن الفيل, اما الذرة والسمسم هناك فهي اشجار تامة واني لا اذكر علوها لاني اعلم يقينا ان كل من لا يعرف ارض بابل لا يصدقني ولذلك ضربت صفحا عن ذكرها) .
ويذكر السير ويل كوكس خلال سياحته الاخيرة سنة 1905 في بلاد الرافدين انه قد تبين له الامر بما لقيه من اثار احواضهم وخزائنهم المائية , وان تلك البلاد كانت سابقا كجنة غناء تزينها الخضرة والمزروعات وانه لم يبلغ احد مبلغ الكلدان في حسن ابنيتهم بجمع المياه وخزنها وتوزيعها على انحاء بلادهم . هذه احوال العراق القديم من نعمة وخير ورفاه وسعادة وكان يعيش فيها ذات يوم (30 مليون نسمة) ليس فيهم جائع او محتاج حتى قال الخليفة عمر بن الخطاب ... لو ان شاة ظمئت على ضفاف نهر الفرات لبقيت مسؤولا عنها يوم القيامة يوم لم يكن العراق قد اكتشف هذا المعدن اللعين الذي يسمونه البترول فصار للعراقيين نقمة وبلاوي وويلات.
وهذا (غوستاف لوبون) مؤلف كتاب (حضارة العرب) يتحدث عن دار الرافدين كمدينة للعلم والمعرفة باطناب واعجاب حتى صارت ايام الخلافة العباسية التي تلاقحت بحضارة الكلدان (اهل البلاد الاصليين) اهم مدن الشرق حيث وسعت دائرة التعليم العام وكرم الاساتذة والرجال الكبار فيها , وشجعوا على القدوم اليها من مختلف اقطار العالم , وبلغ علم الفلك عن طريق الفلكيين والمنجمين والاطباء السريان درجة من التقدم انتهى الى نتائج لن ينته اليها الاوربييون الا في العصر الحاضر, خصوصا التفاعل الحضاري الجميل بين السريان والعرب واهل اثينا بعد ان نقل المترجمون السريان حضارة اهل اثينا وفلسفتهم العقلية – ار سطو – سقراط – افلاطون – ممزوجة بفلسفة الغزالي 1059 -1111 ميلادية, وقد كان هذا العالم الجليل موسوعيا في غزارة علمه وشمولية اطلاعه , ومن كتبه(احياء علوم الدين) و(المنقذ من الضلال) وكما ان ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع وفلسفة العمران , والفيلسوف ابن رشد ( 1126 – 1198 ميلادية), وقد عرف بشروحه لفلسفة ارسطو والعلم التجريبي الحديث في الطبيعيات وما بعد الطبيعة, ومحاولاته في التوفيق بين الشريعة الاسلامية والفلسفة اليونانية, وكان اثره كبيرا في توجيه الثقافة الاوربية من القرن الثالث عشر الميلادي في مجال الدراسة العلمية والفلسفية والدينية , وقد تاثر به كثيرا القديس الفيلسوف توما الاكويني ومن اشهر كتبه ( تهافت التهافت) يرد فيه على كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة) ولابن رشد قصة جميلة عندما التقى المتصوف الاسلامي الاكبر الذي قال ان ديني هو دين الحب (محيي الدين ابن عربي), وقد عاصر الفيلسوف (ابن طفيل) صاحب القصة الفلسفية الشهيرة (حي ابن يقظان), نرى ان الغزالي هو مؤسس علم النفس العربي الاسلامي الذي ميزه عن علم النفس اليوناني الموروث عن المشائين وعن الافلاطونية وقد دعى الى فهم الذات من داخلها وفهم السلوك من ظاهره والاعتماد على العلم.
خلاصة القول أحبتي، ان هذا الامتداد والارث الحضاري الشامخ وانتشار الحركة العلمية, ومراكز البحوث والتعليم, وازدهار مختلف ضروب المعرفة من ادب وثقافة وتاريخ وعلوم لم تاتي عفوا, بل هي امتداد طبيعي لتراكم حضاري متنام تالد اينعت ثماره في ربوع بغداد وانتج ما نسميه اليوم العراق الحديث فتامل عزيزي القارىء ولا تتعجب من صروف هذا الدهر الغريب التي صارت فيه هذه الارض المقدسة الخصيبة ارض بور تغطيها الملوحة, وصارت ارض السواد خصوصا بعد سياسة الاصلاح الزراعي غير صالحة للزراعة والري والكلأ, وصار فيه الفلاح العراقي (أمل بزوجة ودار سكن وراتب نفطي, فما حاجته الى العمل), يدق ابواب المدن الكبرى الضاجة بزحام الناس والحركة مثل بغداد والموصل والبصرة ليشتري البيض والدجاج والخضروات والفاكهة ليسوقها الى الريف العراقي البائس فقرا وجوعا وجهلا ومرضا. ان عراق اليوم للاسف الشديد مشتت ومفكك ومتطاحن مع نفسه ومع جيرانه, والكل طامع بثرواته التي لا تنضب يتربص لنهب خيراته, والعراقي اليوم الذي تصور بعد التغيير انه سيعيش كريما سعيدا لا يفقه اليوم ما يدور من حوله, مصاب بحالة انعدام الوزن في كل شي, يموت ويقتل فيه الناس بمجانية, ويحيط به الارهاب والارهابيين العرب المغسولة عقولهم بالدين والتدين من كل فج عميق, اما الامريكان فامرنا معهم عجيب غريب, اطاحوا مشكورين بالطاغية وفككوا مؤسسات الدولة, وما وفروا للعراق والعراقيين الحماية اللازمة كدولة محتلة.
لقد ضاق فضاء الوطن الجريح بابناءه البررة كما يضيق السجين بقيوده ولا
زال ملايين المهجرين والمهاجرين في الخارج, وشاخ جيل تموز الذي هز العراق في
الستينيات, جيل الثورة والمخاض, وقضى العديد من شخصيات العراق البارزة الدافئة
نحبهم دون ان يروا صبح العراق ينبلج عن عراق
جديد يعيد البسمة والحب والسعادة لهذا الوطن المنكوب, ولا يسعنا الا ان نردد قول
الشاعر:كم اردنا ذاك الزمان بمدح شغلنا بذم هذا الزمان