
العراق بلاد الرافدين، ارض الحضارات القديمة ، ارض حضارة السومريين والبابليين
ووالكلدانيين والاشوريين ، شعب العراق هو من اخترع اول حروف الكتابة ، وشرع اول
القوانين ونبغ في علوم الفلك والكيمياء والرياضيات ، وهو اول من وضع التقويم وقسم
اليوم الى 24 ساعة وقسم الساعة الى النظام الستيني للدقيقة والثانية . شعب
الحضارات الاصيل هذا لم ينقرض كما انقرض شعب المايا والازدك.
الاشوريون والكلدان والسريان من شعب العراق هم ابناء واحفاد الاشوريين والاراميين
والكلدان الذين اسسوا اولى الحضارات في بلاد الرافدين .
تحول ابناء هذه الشعوب والقبائل الى المسيحية في القرن الاول الميلادي على ايدي
رسل وتلاميذ السيد المسيح ، بعد ان دخل العراق تلميذ السيد المسيح القديس توما
ورفاقه مار ماري ومار اداي , حيث استقر الرفاق الاثنان في العراق للتبشير بالانجيل
وتاسيس المسيحية بين الوثنيين والمجوس ، وواصل مار توما رحلته ليبشر بالمسيحية حتى
انتهى به المطاف الى الهند حيث توفي فيها.
تأسست اولى الكنائس في العراق في المدائن جنوب بغداد وفي تكريت وفي النجف ولازالت
آثارها واطلالها باقية لحد الان ويعرف الاثاريون الكثير عنها .
ان المسيحيين من شعب العراق هم ابناء الرافدين الاصلاء ، عاشوا على تربة العراق
وبين ضفاف نهريه الخالدين دجلة والفرات منذ فجر التاريخ من شماله في نينوى وحتى
سواحل الخليج العربي الغربية .
اسسوا حضارة العراق ، بنوا مدنه وزرعوا ارضه ، وقدموا للبشرية علومهم وثقافتهم .
وبعد الفتح الاسلامي للعراق على يد خالد بن الوليد ، كان المسيحيون يعيشون تحت ظل
الاحتلال الفارسي دون ان يجبرهم الفرس على ترك دينهم والايمان بالعقيدة المجوسية .
لكن جيوش الغزو الاسلامي للعراق اجبرت المسيحيين على اختيار احد الاختيارات اما
ترك دينهم وعقيدتهم بالقوة والايمان بالاسلام دينا بديلا للمسيحية ، او مواجهة
القتل او دفع الجزية عن يد وهم صاغرون حسب المفهوم القرآني .
وكانت النتيجة ان القوة والبطش فعلت فعلها ، فقتل من رفض تغيير عقيدته ودفع الجزية
، واجبر الفقراء ومن لا يستطيع دفع الجزية ان يتحول مجبرا للاسلام لانقاذ رأسه من
سيوف الغزاة الجدد . ومن كان متمكنا من دفع الجزية بقي محافظا على ايمانه وعقيدته
المسيحية ، وابناء الاقلية المسيحية المتواجدة في العراق اليوم هم احفاد اولئك
الذين حافظوا على ايمانهم المسيحي من شعب العراق الاصيل .
وفي زمن الخلافة العباسية كان السريان المسيحيون لهم مكانة مرموقة لدى الخلفاء
والامراء والشعب، حيث اشتهروا بعلومهم وثقافتهم ، فمنهم الاطباء والصيادلة وكان
منهم علماء الفلك ومنهم من نقل علوم الاغريق وحضارتهم عن طريق ترجمة كتبهم من
اليونانية الى العربية .
عاش المسيحيون بسلام ومحبة وامان بين اخوانهم المسلمين على ارض العراق منذ تلك
العصور ولحد الغزو الامريكي للعراق .
لم يذكر التاريخ القديم والحديث حدوث صدامات او اضطهاد او قتل جماعي لمسيحيي
العراق سوى في عام 1933 عندما ارتكب قائد الفرقة الفريق الركن بكر صدقي مجزرة سميل
في شمال العراق بحق الاشوريين حيث امر بقتل الشعب الاشوري واضطهادهم لاسباب سياسية
، مما اجبر الكثير من الاشوريين على الهجرة من العراق الى سوريا هربا من البطش
والقتل الذي طال الرجال والنساء والاطفال بوحشية حيث تم قتل اكثر من 3000 شهيد
مسيحي.
ولم يشهد تاريخ العراق غير تلك الاحداث لقتل المسيحيين بالجملة الا بعد سقوط الحكم
الصدامي ودخول رعاع وذئاب العرب الغرباء عن العراق من امثال المجرم المقبور ابو
مصعب الزرقاوي ومن خلفه في الاجرام من عصابات القاعدة وما يسمى بدولة العراق
الاسلامية . حيث كانوا يحرضون على قيام دولة الخلافة الاسلامية ويكفرون كل من لا
يدين بالاسلام ويحللون قتلهم ، وهم يحللون دماء ليس المسيحيين فقط بل حتى المسلمين
الشيعة والسنة من لا يدين بمذهب الوهابية التكفيري والصابئة المندائية .
لذلك نفذوا خطتهم الشيطانية بتهديد المسيحيين بمغادرة العراق لتبقى دولة اسلامية ،
والا يكون مصيرهم القتل والخطف وتفجير مساكنهم وسلب اموالهم . وقاموا فعلا بتفجير
اكثر من 60 كنيسة في الموصل وبغداد وكركوك ، وخطف وذبح عدد من رجال الدين المسيحي
بضمنهم مطران الموصل المرحوم فرج رحو والقس رغيد كني وغيرهم لتخويف الشعب المسيحي
ودفعه للهجرة من وطنهم وارض اجدادهم.
لقد قدم المسيحيون اكثر من 700 شهيد سفك دمه على ارض العراق قربانا لايمانه بدينه
وعقيدته ، رغم انهم من شعب مسالم لا ناقة له ولاجمل في السياسة ولايبحث عن مناصب
سياسية ولايشكل ميلشيات مسلحة تخاصم او تنافس الاخرين .وكل ذنبه انه يؤمن بعقيدة
تختلف عن عقيدة التكفيريين .
ان هؤلاء الاوباش الذين يستحلون دم المسيحيين دون رحمة كما حدث مؤخرا في جريمة
احتجاز الرهائن وقتل المصلين في كنيسة سيدة النجاة في بغداد يستخدمون الدين كستار
لهم ويكبرون باسم الله وهم يقتلون ضحاياهم منطلقين من بعض آيات القرآنية .
ويتغاضون عما جاء بالقرآن نفسه من ان النصارى
(المسيحيين) هم اقربهم مودة للذين آمنوا . كما جاء بالقرآن الكثير من الايات التي
تكرم اهل الكتاب والنصارى بالذات .
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّبِئِينَ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" البقرة 62
"إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ" آل عمران 55
فبأي حق وأي دين يتم تكفير المسيحيين ويهجرون من ديارهم ووطنهم ويقتلون وهم شعب
العراق الاصيل وجذروهم تضرب في عمق التاريخ ودمائهم مختلطة بتربة العراق ومياه
الرافدين منذ الاف السنين .
ومن هم الذين يهجرون ويقتلون مسيحيي العراق ؟ انهم الغرباء والرعاع وشذاذ الافاق
من مجرمي القاعدة القادمون من خارج حدود العراق ... فيا للمهزلة !!
ان مسؤلية حماية شعب العراق بكل اطيافه من مسلمين ومسيحيين وصابئة وغيرهم يقع على
عاتق الحكومة والقوات المسلحة ، وان اي تهاون اوتواطأ او تسهيل للارهابيين بتنفيذ
جرائمهم لهو خيانة لله والوطن والشعب والانسانية .
نحن نتسائل كيف وصل هؤلاء الاوباش بسياراتهم واسلحتهم ومتفجراتهم واحتلوا كنيسة
سيدة النجاة وقد عبروا العديد من سيطرات ومفارزالشرطة والجيش في العاصمة بغداد لو
لم يتم تسهيل مرورهم من قبل عناصر مخترقة للاجهزة الامنية والتنسيق المسبق معها .
لقد وعد الناطق بلسان عمليات بغداد ان الحكومة ستقدم للشعب نتائج التحقيق لهذه
العملية الاجرامية الغير مسبوقة من قبل وستعلن عن خفاياها ومن يقف ورائها . ولكن
كالعادة لم يعلن شيئا عنها وسجل الفاعل ضد مجهول ودفنت ملفات التحقيق مع بقية
الملفات للجرائم المشابهة ضد المسيحيين لغاية في نفس قادة الحكومة كي لاينكشف
المستور ومن يقف وراء الصراع السياسي الدائر للفوز بمناصب الدولة .
رحم الله شهداءنا واسكنهم ملكوت السماوات .
صباح ابراهيم