
دورة إدمون صبري
في اليوم الثاني للحلقة الدراسية الثانية حول دور السريان في الثقافة العراقية التي تقيمها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية عقدت في الساعة التاسعة من صباح يوم السبت 21 تشرين الأول 2011 على قاعة فندق عنكاوا بالاس، جلسات اليوم الثاني ابتدأت الجلسة الأولى المعنونة تجارب فنية بإدارة الأستاذ بطرس نباتي مع بحث الدكتور ريكاردوس يوسف "دور السريان في السينما العراقية" تطرق فيه إلى الدور البارز للكاتب والأديب إدمون صبري الذي اقتبست اثنتين من رواياته لتكون من ابرز علامات السينما العراقية وهي فلم سعيد أفندي المقتبس عن قصة شجار وكذلك فلم من المسؤول المقتبس عن قصة بنفس الاسم، كما تحدث أيضاً عن دور الرواد الأوائل من السريان الذين عملوا في السينما العراقية في مجالاتها المتنوعة بين التمثيل والإخراج والمونتاج وسواها، ونوه بدور السيدة سلمى عبد الأحد التي تعد إحدى الرائدات السريانيات في مجال العمل السينمائي، كما تناول بشيء من الإيجاز مسيرته الشخصية في مجال الإبداع السينمائي لاسيما إخراجه لأول فلم عراقي باللغة السريانية الذي تناول قصة الطوفان الشهيرة التي حدثت في تلكيف في أربعينيات القرن الماضي.
تلاه الدكتور جواد الزيدي وبحثه الموسوم "تضايف الروحي والواقعي في أعمال التشكيليين السريان" فقال: "إن أية ملاحقة نقدية لأعمال الفنانين التشكيليين السريان في حقول الرسم والنحت والكرافيك تفتح الباب واسعاً نحو رافد من روافد الفن العراقي الذي يمتلك ميزات روحية ترتبط بتراث العراق الفني والتراث الشرقي الديني, على الرغم من وقوع هذه الأعمال في دائرة التعبير الإنساني الذي يتيح لنا مقاربة فنية مع آخرين أسهموا في صياغة أساليب فنية سواء في رسم الطبيعة او تجريدها من عوالقها الخارجية او المغادرة الى اعماق التأريخ للخروج منه بصيغة بصرية. الا ان الملاحظ بهذه التجارب تضمينها الروحي والجوهري في خطابهم ولا تدع الشكل الفني والجمالي هو المهيمن الأول في ذلك الخطاب, بل ان المضامين حاضرة من خلال استثمار الارث الروحي الذي تعرف عليه هؤلاء وتماهت ذواتهم مع آمنوا به". وأضاف: "في تجربة الفنان وسام مرقص انفتاح على الطبيعة العر اقية إلى أقصاها والتمعن في جمالها الخفي، وبذات المفهوم عاد الفنان سلام أدور إلى الأشياء الأولى في الطبيعة البكر معلناً انتماءه لهذا الواقع دون تدخلات إنسانية قد تسيء لهذا الشكل الجمالي بمفهومه الأول، اما النحات المتصوف مازن إيليا والفاعل العضوي في ادارة مؤسسات الفن وتواصله الدائم في معارض الفن العراقي في بغداد والمدن الاخرى, فانه مخلص للنحت, وهذا الإخلاص نابع من تجذره في تربة وادي الرافدين والخلاصات الجمالية التي قدمها الفنان السومري والأشوري خلال قرون من التأمل, ان انتماءه للنحت تحيل علاقته الوطيدة مع ذلك الزمن المضيء والمزدهر".
أعقبه الاب دريد بربر ببحث حمل عنوان "تأثير الموسيقيين السريان في الموسيقى العراقية" حيث تركز بحثه على معلومات استقاها من عدة باحثين وهو يشير اليهم من خلال سياق بحثه هذا الذي استهله بدراسة للبروفسور ايلي كسرواني بعنوان "من كنارة أور الى قيثارة العرب" يذكر فيها قائلا: "إن بحثي هذا هو لوضع الأمور في إطارها التاريخي والجغرافي واللغوي، ولهذه الحقيقة وجهان: وجه تاريخي يضع الموسيقى العربية في اطار الأمتداد منذ الحضارات السابقة حتى يومنا، ووجه تطبيقي يربط السلالم العربية ومقاماتها وايقاعاتها بالموروث الذي اكتنزته هذه الموسيقى عما سبقها..." ويكمل قوله: "إن هنالك امتدادا مباشرا من اللحن السرياني وما سبقه الى المقام العربي على الأرض الأرامية. وتجري هذه القاعدة على مختلف أنحاء جغرافيات الموسيقى القبطية رجوعا الى الفرعونية في الموسيقى العربية النامية على الارض المصرية، أو الموسيقى الشعبية الغنية الأختلاف في انحاء المملكة المغربية الواسعة الأطراف..." ويكمل: "ان قدر الموسيقى هو ان تتمدد في الحضارات ولا تموت. البابليون نقلوا هم ايضا حضارتهم الى الأشوريين الساميين ومن بعدهم جاء الفرس. في العهود المتأخرة جاء ذكر المغنيات الروميات اللواتي كن يغنين بلغتهم الخاصة..." ويضيف: "ان التاريخ يروي لنا عن مغنيات جئن من مملكة الروم القائمة على الأرض السورية ولغتهم السريانية".
أما الباحث مهيمن جزراوي وبحثه "حسام يعقوب ودوره في الموسيقى العراقية" فقد سلط الضوء من خلاله الى حياة الدكتور حسام يعقوب الذي يعد احد الباحثين المرموقين، ومن الرواد الاوائل في مجال البحث الموسيقي الاكاديمي في العراق المعاصر، وترك بصماته على مسيرة الحركة العلمية، ورفد المكتبة الموسيقية بعدد زاخر من المؤلفات والبحوث القيمة. فلقد ولد الدكتور حسام يعقوب بتاريخ (1/7/1941م) في مدينة الموصل - محافظة نينوى، وأسمه الكامل هو (حسام يعقوب اسحق نعوم)، تلقى اول تعليمه في مدينة الموصل، وأكمل دراسته الابتدائية عام 1953م في مدرسة مار توما، والمتوسطة عام 1956م. بعدها بدأ حبه يزداد للموسيقى بعد شرائه لآلة الهارمونيكا الموسيقية وتعلمه العزف عليها بمفرده، واستطاع إقناع أهله للسفر من مدينة الموصل متجهاً الى بغداد لتكملة دراسته في معهد الفنون الجميلة - بغداد للسنوات (1958م – 1961م)، وقد تم اختباره في المعهد من قبل احد الاساتذة الاتراك آنذاك، ونجح في الاختبار ليكون تلميذه على آلة الفلوت، وحصل على شهادة الدبلوم، وكان الاول على المعهد بعد تخرجه من قسم الموسيقى عام 1961م (فرع آلة الفلوت والتربية الموسيقية). وأثناء دراسته في المعهد قام بتصنيع آلة فلوت معقوف الرأس، وتم عرضه في أحد المعارض المقامة في مدينة الموصل عام 1959م. لقد كان لتقييمه الاول على معهد الفنون الجميلة المؤهل للترشيح والحصول على زمالة دراسية خارج القطر فوقع اختياره على الاتحاد السوفيتي، وسافر إلى موسكو عام 1961 لإكمال دراسته الموسيقية.
واختتم الجلسة الثانية الاستاذ إدمون لاسو ببحثه "نعوم الصائغ: رائد التصوير الفوتوغرافي في العراق" استهله بنبذة عن نسب نعوم الصائغ فهو ينتمي إلى عائلة أدبية موصلية معروفة. والشقيق الأكبر للعلامة المطران سليمان الصائغ (1886-1961). ووالد الأديب الشاعر يوسف الصائغ (1933- 2005). وعم المحامي والدبلوماسي نجيب الصائغ (1916- 2000). ولد نعوم الصايغ في الموصل عام 1875، دخل إحدى المدارس الدينية فيها، فتعلم العربية والفرنسية. ثم عمل معلماً للعربية في مدارس الموصل في اواخرالعهد العثماني، وفي العهد الأنكليزي. وأضاف "يعد نعوم الصائغ رائد التصوير الفوتوغرافي في الموصل بل وفي العراق كله كون التصوير دخل العراق، أساساً عن طريق الموصل لموقعها الجغرافي على طرق التجارة بين حلب واسطنبول، وكون البعثات التنقيبية الأجنبية بدأت عملها في الموصل أولاً. ودخل التصوير الموصل بواسطة بعثة التنقيب الألمانية تحديداً التي نشطت أواخر القرن التاسع عشر مع بعثات التنقيب البريطانية والفرنسية في العواصم الآشورية القديمة المعروفة: آشور ونمرود ونينوى ودورشاروكين (خورسباد)، وسواها من المواقع الأثرية الأخرى. حيث اعتمدت هذه البعثات على التصوير الفوتوغرافي في أعمالها وأبحاثها". واستطرد قائلا: "كان لاتصال نعوم ببعثة التنقيب الألمانية المزودة بأجهزة تصوير وطبع وتحميض، هو الذي مكنه من تعلم فن التصوير وإتقانه والولع به. وكانت تلك الأجهزة بدائية غير كهربائية تعتمد على الشمس. واشترى نعوم من البعثة إحدى كاميراتها الكبيرة من ذوات الحوامل من التي نشاهدها الآن على الأرصفة، وذلك عام 1892، ليصبح بذلك أول هاو للتصوير الفوتوغرافي في الموصل. ثم عاد واقتنى كاميرتين أصغر حجماً من البعثة نفسها، وجهاز تكبير larger))، عندما سافرت البعثة عائدةً إلى بلدها".
وبعد استراحة قصيرة استؤنفت أعمال الحلقة الدراسية بجلسة عن الأديرة باعتبارها مراكز ثقافية في الساعة 12:00 ظهرا بإدارة أحلام سعيد فقدم الدكتور باقر محمد الكرباسي بحثه "الأديرة والبيع وأماكن العبادة في النجف " اشار فيه إلى إن منطقة النجف وظهر الحيرة ضمت عدداً من الأديرة والبيع وأماكن العبادة في عصر ما قبل الإسلام، وقال: "لعل ارتفاع المنطقة وإشرافها على بحر النجف جعلها منطقة محببة للنصارى والرهبان لبناء الأديرة، فذكر ياقوت الحموي: (أن الدير بيت يتعبد فيه الرهبان، ولا يكاد يكون في المصر الأعظم إنما يكون في الصحارى ورؤوس الجبال، فان كان في المصر كانت كنيسة أو بيعة". وأضاف: "ذهبت الدكتورة سعاد ماهر أيضا وقالت: (كان لموقع مدينة النجف الجغرافي على اعتبار انها ضاحية الحيرة وتطرفها في الصحراء اثر كبير في انتشار الأديرة المسيحية فيها)". وقد اختار (العباد) ارض النجف مكانا للعبادة والتوجه الى الله وكان هؤلاء من قبائل شتى اجتمعوا، وانفردوا عن الناس في قصور ابتنوها لانفسهم في ظهر (الحيرة) وتدينوا بدين النصرانية واصبحت هذه الديارات في هذه المنطقة مبثوثة هنا وهناك، وقد نظمت حولها الحدائق ونسقت جوانبها بالرياض وزينت بالشقائق والرياحين ليساعد جمال المكان على صفاء النفس ورقة الحس وسمو الخيال".
تلاه الأستاذ عبد السلام الخديدي بمحاضرته "دير السريان: مار يوحنا الديلمي لمحة تاريخية والجانب المعماري فيه" حيث تحدث عن عمله في ترميم دير مار يوحنا الديلمي:" خلال فترة إشرافي الرسمي من قبل دائرتي على أعمال الصيانة في الكنيسة والدير منذ المباشرة في نهاية عام 1996 ولغاية بداية 2006- اخذين بنظر الاعتبار العناصر المعمارية القائمة في كنيسة ناقرتايا، وقد قمنا بتعويض ما فقد منها بنفس المواد الأصلية إلى جانب الاحتفاظ بالقديم وفي مكانه الأصلي .وهكذا اقتبسنا طراز المداخل والأقواس وأقبية الغرف أو عقاداتها مما تبقى من أثارها في نفس الكنيسة لتكون الصيانة الجديدة على غرار ما كان عليه بناء الكنيسة أو الدير باستخدام نفس المواد الأولية وهي الطابوق والحجر والجص إلا في حالات استثنائية للتقوية فقد تم استخدام البلوك والاسمنت في بعض أجزاء البناء ثم تم تسييعه بمادة الجص أو تغليفه بحجر الحلان المألوف في البناء القديم" .
بعده أكد الباحث الدكتور نصير الكعبي في جملة ما ذكر على إن تاريخ أربل بالرغم من صغر حجمه فانه قد ضم سيرة عشرين مطراناً جلسوا على كرسي أبرشية حدياب السريانية منذ مطلع القرن الثاني حتى منتصف القرن السادس الميلادي، فابتدأ بالمطران بقيدا(104ـ 114م) وانتهى بالمطران حنانا (511ــ م ـ؟) ،أي:انه غطى أربعة قرون من تاريخ المنطقة امتدت من أواخر الدولة الاشكانية في منتصف القرن الثاني الميلادي إلى مطلع القرن السادس الميلادي مع تركيزه على الحوادث المبكرة من تاريخ الساسانيين وملوكهم الأوائل. ومنذ الوقت الذي نشرت فيه هذه المخطوطة السريانية الفريدة وظفها العلماء بوصفها مصدرا رئيسا عن المسيحية الشرقية وعن تاريخ إيران في العصر الاشكاني والساساني، فترجمت على يد المستشرق ادوارد سخاو(E.Sachau) إلى الألمانية وطبعت في برلين عام 1915، وترجمها إلى الايطالية المستشرق فرانس زوريل) F.Zorell)عام 1927. ثم ترجمها المطران بطرس عزيز إلى العربية بالتتابع مابين الأعوام (1929-1931) ثم أعاد المستشرق الألماني بيتر كفارو(P.Kwerau) ترجمتها إلى الألمانية مرة أخرى اعتماداً على مخطوطة برلين في سنة 1985م ونقل الكتاب إلى الكردية اعتماداً على ترجمة ادوارد زاخاو في العام 1995كما ترجم الكتاب إلى العربية مؤخراً ترجمة علمية وافية احتوت على مقدمة وتعليق سنة "2001. ولكن تبقى الإشكالية الكبرى التي تواجه تاريخ أربيل السرياني هو تلك الآراء المتضاربة والمتباينة التي قيلت فيه من قبل المشتغلين في السريانيات، فالتقاطع حاد ومفصلي بينها في إثبات النص وجدارته أو بين رده ورفضه بالكامل والدعوة إلى عدم اعتماد الأبحاث التي استندت إليه. وربما يمكن القول بأنه لم يثر مصدر سرياني شرقي هذا الجدل كما أثاره تاريخ أربل .وعلى وجه الإجمال يمكن تصنيف تلك الآراء على ثلاثة أقسام بحسب رؤيتها في واقعية الكتاب واختلاقه .فالفريق الأول الرافض للكتاب في الجملة والتفصيل، ساق أنصاره مجموعة أدلة تبرهن على توجههم ذلك، ففي عام 1925 قدم پول بيترز (P.Peeters) أدلة دحضه للكتاب مشيرا فيها الى مجموعة مآخذ جوهرية - بحسب رؤيته- منها عدم القدرة على تحديد المنابع الأولى التي استقى منها معلوماته، والموجود في الكتاب لا يمكن ملاحظته في مصدر آخر.
ورد اليسوعي اورتيز دي أوربينا (Ortiz de Urbina) النص بالكامل لتحامله الشديد على منكنا .وحلل يوليوس اسفالغ (J.Assfalg)مخطوطة أربيل تحليلاً كيميائياً سنة 1966م، فوجد أنها مخطوطة حديثة العهد للغاية، وان منكنا أعطاها مظهراً قديماً بوساطة تشميعها وتدخينها في تنور، وحرق أطرافها من اجل إكسابها الشكل القديم ،وقدم المستشرق الفرنسي الأب فييه (Fiey)في عام 1967 نقدا عنيفاً للكتاب ،توصل في ختامه إلى ان الكتاب منحول بالكامل ،واتفق مع هذا الرأي تقريباً الأب ألبير ألبونا في دارسته للتراث السرياني .
وبعد استراحة الغداء استمرت الحلقة بجلسة عن التاريخ أدارها الأستاذ كنعان المفتي افتتحت ببحث الدكتور عماد عبد السلام رؤوف عنوانه " سريان يؤرخون لحوادث عصرهم" قال فيه: "اننا لن نتحدث هنا عن مؤرخين كبار خلد الزمان أعمالهم، وشهدت مؤلفاتهم اهتمام الباحثين أو الناشرين، بل لن نتحدث حتى عن كتاب معروفين، عرفت أسماؤهم وإن لم تشتهر مؤلفاتهم في الخافقين، وإنما سنتحدث عن عدد من الكتاب الذين ظلت أسماؤهم في طي النسيان، فلم تعرف أصلاً، وانزوت كتاباتهم التاريخية في بعض خزائن الأديرة، فلم تنل من اهتمام القراء والباحثين ما تستحقه، على رغم قيمتها العلمية العالية، لولا أن عثر عليها في أوائل القرن الماضي، راهب قد طلق الدنيا وانصرف إلى العلم انصرافه إلى العبادة، ذلكم هو الأب أدي شير، صاحب المؤلفات القيمة في تاريخ الحضارتين الكلدية والآشورية واللغة الآرامية وما يتصل بذلك من شؤون". واضاف: "وإذا كان لابد لنا أن نعرف بسيرة هذا العالم الفذ، الذي كان له فضل جمع هذه الكتابات السريانية، فإننا نقول أن هذه السيرة لا تتناسب ببساطتها ورتابة إيقاعها وضخامة الجهد العلمي الذي قام به في حياته، وريادته في مجالات التراث والتاريخ، والقيمة العالية لما تركه من كتب وبحوث. فهي لا تتجاوز في منعطفاتها الرئيسة مراحل حياة قس نابه، فقد ولد في شقلاوه سنة 1867م ودرس في المعهد الكهنوتي في الموصل سنة 1880، وأتقن السريانية والعربية واللاتينية والتركية والفرنسية، وعني بدراسة الفلسفة واللاهوت والتاريخ، وسيم قساً سنة 1889، ثم عين مديراً بطريركياً لأبرشية كركوك حيث تعلم العبرية واليونانية والفارسية والكردية، وألمَّ بالألمانية والإنكليزية. وانتخب سنة 1902 أسقفاً لأبرشية (سعرد)، وبقي كذلك إلى أن قتل غيلة في 17 حزيران سنة 1915 في أثناء اشتداد أوار الحرب العالمية الأولى. وكانت له- لأسباب تتعلق بعمله- رحلات عدة إلى استانبول وباريس وروما".
ثاني البحوث كان للدكتور عامر الجميلي حمل عنوان "المصادر السريانية ودورها في كشف مدن اشورية مجهولة الموقع" اوضح فيه بأن المصادر السريانية قد لعبت دور الوسيط في نقل اسماء المواقع والمدن الاثارية الى فترات تاريخية لاحقة فلقد سلطت الضوء على استمرارية التسميات والاحتفاظ بالاسم الجغرافي للموقع نفسه الوارد في النصوص المسمارية الآشورية، واستمرارية استيطانها في عصور ما بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية، أي في العصور المسيحية السريانية، وحتى في ظل حكم الدول الإسلامية التي تعاقبت على المنطقة، وبذا تكون هذه المصادر قد كشفت عن هوية وشخصية تلك المواقع التي اغفل قارئي النصوص المسمارية ذات العلاقة او المتخصصين بالجغرافية التاريخية للشرق الادنى القديم دورها. وأضاف: "اني انتهز هذه الفرصة لكي تتوجه وتتكاثف الجهود لجمع وتأليف معجم جغرافي لكل ما ورد في التراث السرياني من بلدانيات ومواقع جغرافية للم شعثها، كونها متناثرة في مصادر سريانية هنا وهناك، خدمة للبحث العلمي وتيسيرا للباحثين ودرءا من محاولة طمس آثارها او نسيانها، وسعيا لحفظها في الذاكرة القومية السريانية بعد ان جرى على اغلب أسماء تلك القرى محاولات وسياسات لتتريكها او تعريبها او تكريدها".
أعقبته الدكتورة بروين بدري توفيق ببحث حمل عنوان "النشاط الثقافي والروحي لأديرة بانوهدرا" ذكرت فيه إن المسيحية دخلت إلى منطقة بانوهدرا في القرنين الأول والثاني للميلاد. وتشمل هذه المنطقة نواح تمتد من الخازر والكومل وسلسلة الجبل الأبيض إلى شمال العمادية، وتمتد على يسار الخابور إلى منطقة هلمون جنوب ناحية أشيتا، حيث تشير المصادر المسيحية إلى أنها كانت أبرشية تابعة إلى أربيل، وإنه كان لها أسقف خاص بها. ونعرف من أساقفتها في القرن الرابع من يدعى (اسحاق) وفي القرن الخامس (كوسيشوع). وتعرض المسيحيون في هذه المنطقة، في العهد الساساني، إلى اضطهادات مريرة، كما عاشوا فترة الاضطرابات الفكرية، لا سيما ما عرف ببدعة المصلين وانتشار المذهب المنوفيزي، والصراعات بين الأديرة والانشقاقات الفكرية- الروحية بين رهبانها، ومسألة الزواج غير الشرعي وما إلى ذلك. وأردفت "وفي الواقع فإن اتخاذ الرهبان الصوامع في الأماكن التي تجري فيها العبادات الوثنية القديمة، كان يتخذ سبيلاً لتطهير تلك الأماكن، ولكنها كانت في الوقت نفسه سببا في ظهور بعض البدع، حيث سعى بعض الرهبان إلى الحصول على قوى فائقة للطبيعة عن طريق أنواع من الممارسات الغريبة، لعل أبرزها الصلاة لمدة 12 سنة والاعتكاف في أماكن الأبراج الفلكية، واتخاذ الذخائر بنية الحصول على الخوارق، ومعرفة الغيب، وهو ما سماه المسيحيون المخلصون ببدعة المصلين، ورأوا فيها ما ينافي تعاليم المسيحية الحقة".
وفاجأت الآنسة كنار زاكار هارويتونيان حفيدة الكاتب إدمون صبري الحضور بإلقائها قصة قصيرة تحكي ذكرى يوم قبض على والدها وهي طفلة في الثامنة من العمر عقب عليها الأستاذ حسب الله بإشادة جميلة.
وبعد استراحة قصيرة استؤنفت جلسات اليوم الثاني في الساعة السادسة مساءً بمحاضرة مفتوحة للدكتور أمير حراق قدمها الدكتور سعدي المالح عنوان المحاضرة "التواريخ السريانية في مصادر أولية لتواريخ الشرق الأوسط" تناول الباحث المؤرخون السريان مقسما إياهم إلى فئتين هما: رهبان مطارنة، وأضاف:" لكل من هاتين الفئتين أسلوب خاص ومصادر معلومات متنوعة، ومن بين الرهبان نذكر مؤلف التاريخ الرهاوي، المنسوب خطأ إلى يشوع العمودي حيث يتكلم هذا المؤلف عن الحروب الطاحنة بين الفرس الساسانيين والبيزنطنيين اذ يعطي هذا المؤلف أسماء العساكر والقواد العسكريين ونتائج المواجهات العسكرية لكنه يركز على تأثير هذه الحروب المدمرة على سكان الجزيرة. أما الفئة الثانية من المؤرخين، أي البطاركة والأساقفة، مثل إيليا النصيبي وديونوسيوس التلمحري وغيرهما، فتواريخهم تعكس علاقاتهم بالدولة وبالخلافة الإسلامية، لذا فمعلوماتهم التاريخية مستمدة من أعلى المراتب المدنية كالخلفاء والسلاطين وليس من الأسواق كما هو الحال مع المؤرخين المحليين". وختم بالقول:"اشرنا إلى حوادث منفردة في التواريخ السريانية لنؤكد أهميتها كشهود عيان. بالرغم من أهمية هذه التواريخ تبقى هي بعيدة عن متناول الباحث والطالب في مجال التاريخ، ياليت لو سعى بعض المختصين بالسريانية في العراق لنشر هذه المصادر بنصوصها السريانية وترجمتها العربية وجها لوجه. إن مثل هذا المشروع لا يكتب له النجاح إلا في مؤسسة أكاديمية وهنا أتساءل، هناك جامعات غربية علمانية يدرس فيها الأدب السرياني على كل المستويات الدراسية الجامعية، أفلا يجدر بالجامعات العراقية أن تحضى بأقسام خاصة للدراسات السريانية كي تكشف للعالم الأكاديمي والمدني غنى هذا الأدب العراقي الأصيل؟"
أختتم اليوم الثاني بعرض ثلاثة أفلام وثائقية هي: ( الشهداء لا يتأخرون أبداً من إنتاج المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية بالتعاون مع فرقة مسرح بغديدا، وطقوس الزواج المندائي للسيدة أحلام سعيد، ولمن يقرع هذا الناقوس وهو أيضا من إنتاج المديرية العامة ).