

تسمو قيمة الإنسان عندما
تقتصر حياته على مسار ارتقائيّ من نقطة منسيّة. إلى فضاء عابق
بالمكانة العالية والاحترام الجامع. فالإنسان الحقّ الصّالح للخلود هو
الّذي يكوّن من ذاته وحوله حضورًا مميّزًا فاعلاً قابلاً للاستمرار
الطّيّب في الزّمان والمكان. وهو الّذي ينسج شخصيّة متوهّجة تخترق الإنجازات اليوميّة المتلاحقة لتطبع بصماتها الازلية على الماضي
والحاضر والمستقبل. وتصبح مرجعيّة في القول والفكر والعمل. وكثيرا
ما كان يشعر الانسان يقينا. بأن كل ما قام به قداسة البابا يوحنا بولس الثاني خلال
عهده على رأس الكنيسة الكاثوليكية. سواء في حاضرة الفاتيكان أوعبر كل زياراته
المسكونية حول العالم. وكل ما كان يؤكده في رسائله وكلماته ومواعظه الروحية لم يكن
مألوفا أو حتى متوقعا عند بني البشر. وان اقل
ما يقال عن المسيرة الايمانية لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني. امتيازه بشخصية
انسانية مذهلة طبعت في صورة الانسان البسيط التي لازمته طوال مسيرته الايمانية. فكان
فريدا في تواضعه وتعامله وممارساته وانفتاحه على جميع الاديان في العالم. وجامعا في
مواقفه وتعاطيه من اجل العودة ثانية الى تجسيد وحدة كنيسة المسيح الواحدة التي التي
اقرها مجمع نيقيا سنة 325 في وثيقة الايمان. والتي يرتلها يوميا كل المسيحيين في صلواتهم.
نؤمن بكنيسة واحدة مقدسة رسولية جامعة. وبالمقارنة مع كل اسلافه الذين سبقوه في
تولي رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في العالم. فقد فاجأ قداسته العالم منذ الايام
الاولى ببساطة شخصيته وصلابة ايمانه وبصوابية مواقفه وبصراحته المذهولة وجرأته
المميزة التي جذبت اليه الملايين من بني البشر. وبحقيقة اهدافه وبوضوح رؤيته
وبشجاعته التي استمدها من قوة ايمانه. الى جانب ذهابه بعيدا الى حيث لم يستطع ان يذهب
احد من اسلافه قبلاً. وفي الاول من ايار 2011
تجدد مجده بالاحتفال الذي اقيم في حاضرة
الفاتيكان بانضمامه الى مصاف الطوباويين.
ومنذ الاسابيع الاولى لجلوسه على كرسي القديس مار بطرس
الرسول. كرس قداسة البابا الرياضي الروحي" عزماً بابوياً فريدا ومميزا عبر
مسيرته الايمانية. التي تجلت بظهور حركات وعلامات روحية وصفت بأنها
"قوية". ساهمت بانتخاب هذا السلافي الآتي من ارض
تهيمن عليها المبادئ الشيوعية آنذاك. تاركا انتخابه وقعا بارزا في بولونيا وطنه
الام. وفي كل دول اوربا الشرقية التي كانت تدورفي الفلك
السوفياتي في حينه. مبتدئا وعظه عبر اولى اطلالته على ساحة القديس بطرس: لا تخافوا. وافتحوا ابواب المسيح واسعاً امام الجميع. يومها فُهِمَت كلمته على انها
دعوة الى الخروج من عقدة ودائرة الخوف للمضي قدما وبخطوات ثابتة وواثقة نحو ترسيخ
مسيرة الايمان والدفاع عن قيمة وحقوق الانسان في
العالم. التي أكد عليها قداسته في ارشاده الرسولي وفي رسائله ومواقفه وفي مواعظه التي
كانت تخترق عقول وقلوب البشرية في كل انحاء العالم. لتجذب ملايين الجموع خارجة لاستقباله
في كل زيارة كان يقوم بها.
الانطلاقة كانت من المكسيك في
كانون الثاني 1979 عندما بدأ زياراته الراعوية الماراتونية. تلك الزيارة التي حملت
همّه الاكبر للدفاع عن تكريس العدالة الاجتماعية في العالم. والتي
حققت اول انتصارفي مسيرته السرمدية. يومها أكثر من مليون انسان اصطفوا على مسافة
ثمانية كيلومترات على طريق المطار لاستقباله. والمشهد نفسه يتكرر
بعد اشهر في بولونيا حزيران 1979 التي حجّ ناسها اليه من
كل المدن والقرى ومن مسقط رأسه. مذكّرهم بخطاباته الروحية ومؤكدا لهم. لا يمكن
لاحد في هذا العالم ان يفصل المسيح عن العمل الانساني. انتم حراس نهضة الكنيسة.
لقد عودتنا الشاشات الفضائية في كل رحلاته الايمانية. كيف كانت الملايين من المؤمنين تزحف وهي متشوقة للقائه ولنيل بركته. لكن الايام والاحداث اثبتت بان قداسته كان ابعد من ان يكون انسانا مسالماً بسيطا. وخاصة بعد ان أعلن التزامه الورع والمستميت للدفاع عن حرية وحقوق الانسان في كل اصقاع العالم. يومها كشف الزعماء السوفيت عن أنيابهم. وبعد فترة قصيرة من تلك المواجهة الغير المباشرة. تلقى رصاصتين في 13 ايار 1981. على يد علي اقجا التركي الجنسية. عندما كان يلقي التحية على الحجاج في ساحة القديس مار بطرس. ويومها ايضا سأل العالم كله بدهشة. عجبا من يقف وراء علي اقجا؟ هل هي موسكو؟ ام عواصم عالمية اخرى؟ مع الاسف الشديد سيبقى هذا الحدث المثير للجدل. لغزاً في صفحات التأريخ في ظل غياب اي اثبات مادي يذكر. ولكن قداسته نجا من محاولة الاغتيال. وتابع مهمته وكأن شيئ لم يحدث. عازياً الفضل الى السيدة العذراء مريم. وغافرا وزائرا له في السجن اثناء زيارته التأريخية لتركيا. ليشهد العالم بعد عدة اعوام عملية انهيار الشيوعية. وقدوم الرئيس ميخائيل غورباتشوف 1989 الى الفاتيكان للقاء قداسة البابا بعد اقل من شهر من سقوط جدار برلين.
ولكن اياً تكن الصفات التي طبعت شخصية قداسته
المميزة بالزهد والتواضع والصفاء الروحي الذي لامس قلوب البشرية في كل جولاته ومن
خلال مواعظه الروحية التي اعتمدت على البساطة في التعبير والانشاء والحركات. لذا فان
التأريخ الذي دونه بنفسه سيشهد بأنه كان قداسة البابا الوحيد. الذي اقدم على ما لم يقدم عليه أسلافه عبر انفتاحه على الجميع. داعيا ممثلي الديانات الـ12
الكبيرة في العالم للاجتماع في اسيزي 1986 بمناسبة
اليوم العالمي للصلاة من اجل ترسيخ السلام في كل المعمورة. مكررا هذه اللقاءت في
العديد من الازمات التي هزت العالم. كحرب البلقان 1993.
وبعد أشهر قليلة من اعتداءات 11 ايلول 2001. بات السلام العالمي يحتل الاولوية في
حياته. فسعى بقوة الى بناء
جسور الحوار مع الجميع. من دون ان تغيب عن مواقفه المطالبة بوقف الحروب. ومؤكدا ان" الخلافات لن تحل
بالسلاح". بل بالحوار الذي سيقودنا الى السلام. ومن دون ان يتوقف عن كتابة
الرسائل الى كل زعماء العالم ليحثهم للعمل على تعزيز اسس السلام العالمي. فكتب رسائل
الى الرئيسين الاميركي جورج بوش والعراقي صدام حسين. بعد
ساعات قليلة من اندلاع حرب الخليج الاولى 1991
السلام العالمي ووحدة الكنيسة كانا هاجسه الاول. وقد عمل
من اجل تجسيدهم على الواقع عبر الانفتاح على الكنائس غير
الكاثوليكية. باذلا اقصد جهوده من اجل تحقيق حلمه بالتقارب وتعزيز الوحدة المسكونية
تجسيدا لوحدة الكنيسة المقدسة الرسولية الجامعة. بالرغم من معرفته بكل التعقيدات
التي انتجتها الحقب التأريخية الماضية. ومن دون ان تثنيه يوما عن عزمه للمضي قدما
نحو محطات التلاقي التي تميزت به مسيرته الايمانية. وعبر الحدث الاكثر وقعا في
تأريخ الكنيسة الكاثوليكية الذي تجلى باعتذاره عن "اخطاء ارتكبت" وهو
واقف على
"اراض اورثوذكسية" في رومانيا – 1999. وفي اليونان
– 2001 مما عكس اصراراً قويا على فتح صفحة جديدة مع الكنيسة الاورثذوكسية. وكان اول بابا الفاتيكان يقوم بزيارة
الى الدول الاسكندينافية. مملكة الاصلاح البروتستانتي سنة 1989 . وفي عهد قداسته.
تم توقيع اعلان مشترك كاثوليكي ــ لوثري في اوغسبورغ للتبرئة سنة 1999. الذي يعتبر
الاتفاق الاول الذي عقدته الفاتيكان مع جهة بروتستانتية منذ ثورة الاصلاح. وفي
مشهد مؤثر الذي شهدته عملية الافتتاح باب بازيليك القديس مار بولس الرسول مع قائدين.
اورثوذكسي
وانغليكاني. وهذا ما أراده قداسة مار يوحنا بولس الثاني ان
تكون رسالة عميقة إلى المسكونية سنة 2000 . وأيضا
مع اليهود اخوتنا الابكار كما سمّاهم قداسته. معلنا الى طوي صفحة 20 قرناً من
النزاع.
حيث كان اول بابا فاتيكاني يزور اوشفيتز 1979. كما زار الكنيس اليهودي في روما سنة 1986. وفي
عام 1991 طلب من الله الغفران على التساهل تجاه ما تعرض له
اليهود من اضطهاد ومحرقة من خلال اعلان تأريخي. وفي عهده اعترف الفاتيكان بدولة
اسرائيل 1993.
وفي عهد قداسة البابا يوحنا بولس الثاني انطلقت عملية الحوارالتأريخية بين الفاتيكان وبين كنيسة المشرق الاشورية. التي تجلت بتوقيع وثيقة الاعتراف بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الاشورية التي وضعت حدا نهائيا حول الاختلاف اللاهوتي حول الطبيعة الالهية والانسانية للسيد المسيح التي دامت اكثر من 1400 سنة. حقا لقد فتحت تلك الوثيقة افاق واسعة امام الكنيستين من اجل الاستمرار والتواصل لينتقل الحوار بعد ذلك الى مرحلة الاتفاق حول تفسير مفهوم اسرار الكنيسة وصولا الى تحقيق الشراكة والوحدة المسكونية بين جميع الكنائس المسيحية في العالم. ولكن توقف الحوار لاسباب لا اريد الان الدخول في تفاصيلها. لكنه عادت كنيسة المشرق الاشورية وقررت في المجمع المقدس الذي انعقد في اواخر شهر ايار 2012 في مدينة شيكاغو من اجل مواصلة الحوار مع الفاتيكان من عند النقطة التي توقف عندها. وبرأينا الشخصي والمتواضع نرى ضرورة واهمية قصوى الى استمرار الحوار من اجل تحقيق الشراكة الفعلية بين الكنيسة الكاثوليكية وبين كنيسة المشرق الاشورية على مبدأ الاستقلالية لكل كنيسة تمنحها كامل الحرية للمحافظة على لغتها ولاهوتها وتراثها وقديسيها. لأن هذه الشراكة التي يأمل الجميع ان تتحقق باقرب فرصة بين الكنيستين. ستساهم ايضا في اطلاق الحوار بين كنيسة المشرق الكلدانية وكنيسة المشرق الاشورية من اجل الوحدة.
وفي عام 2000 حجّ البابا الى الاراضي المقدسة. حيث دسّ بين جدران حائط المبكى صلاة توبة عن الجرائم المرتكبة بحق اليهود. ومد يده ايضا الى المسلمين من خلال لقائه 80 الف شاب مسلم في الدار البيضاء سنة 1985. وزار العديد من الدول الاسلامية. وكان اول بابا فاتيكاني يزور جامعاً اسلاميا عندما زار قبر يوحنا المعمدان في الجامع الاموي في مدينة دمشق 2001. خلال سفر حجه على طريق اثار اقدام مار بولس الرسول. وطوال عهده. اعتبر قداسته كل العالم رعيته الكبيرة. فكان في حج مستمر وتواصل دائم مع البشرية. تارة لدى رعايا قريبة وتارة اخرى لدى رعايا بعيدة. معتبرا ان السفر بالنسبة له. كان حجاً صادقاً للهيكل الحي لشعب الله. على قوله. لقد كان الناس يجذبونني اليهم. ومؤكدا للعالم في الوقت نفسه. وقوفه دوما الى جانب الفقراء والمضطهدين والمهمشين. وعبرهذه النية الصادقة التي ارتسمت دوما على وجهه. تابع سفره. وفي كل محطة. كان له موقف ونداء لايقاف العنف والتسلح في العالم. مؤكدا على الاصلاح والتجديد في الكنيسة من خلال العودة الى الينابيع والجذور المسيحية. والعمل معا من اجل تجسيد وحدة كنيسة المسيح. متابعا مسيرته حتى النهاية ومؤديا رسالته السامية من دون توقف. خاتما حجه الاخير الذي استقر به في لورد عام 2004 حيث وقف مريضاً بين المرضى.
لقد كان المرض بدأ يتسلل الى جسمه في الاعوام الاخيرة من حياته.
ففي بداية التسعينات من القرن الماضي. بدأ درب صليبه. بعد
ان خضع لعملية جراحية لازالة ورم في الكولون سنة 1992. ومن بعدها تعرض لكسر في
الكتف
الايمن اثر وقوعه سنة 1993 . فرُكِّبَ له ورك اصطناعي على اثر وقوعه مجدداً سنة
1994 وفي عام 1996 اجريت
له عملية الزائدة الدودية. ثم تلتها مرحلة بداية ظهور عوارض مرض الباركنسون التي تفاقمت في الاعوام الاخيرة من حياته. ولكن رغم كل هذا
العناء الذي لازمه. كان يصر دوما على مواصلة رحلته. قائلا للمقربين اليه عندما كانوا
يطلبون منه لاخذ المزيد من الراحة. صدقوني يا أحبائي. ان الحياة
الابدية هي المكان الوحيد التي سيرتاح بها ابن الانسان.
ومن اهم مفارقات الامور العجيبة الاخرى التي رافقت قداسته.
تميزه بالقدره الفائقة للقيام بمسؤلياته على كل الصعد. بالرغم من شدة مرضه. الذي لم يثنيه ابدا عن اداء واجباته الروحية. مستمرا على مواصلة
كتابة التأريخ بثقة وبدقة متناهية. حيث رافقتها حركات وايحاءات وصفت بأنها
"نبوية". اما الصلاة فكانت "تمرينه"
اليومي والاساسي الذي ما تأخر يوماً عنه. خصوصاً عند اتخاذ القرارات او خلال فترة الكتابة وفي اجواء اداء الصلاة والتعبد. هكذا امضى
قداسته أيامه الاخيرة. بعد ان كانت صحته قد بدأت تتراجع ابتداء من 15
كانون الثاني 2005. وقبل ان تتدهور حالته الصحية سريعاً. لازمه الألم بقوة. لكنه
"كان
دوما مستسلماً لإرادة الله". لقد كتب سكرتيره الشخصي
ستانيسلاس دزيويز. في اللحظات الاخيرة. عاد قداسته الى ما كان عليه دائماً. رجل
صلاة. مرددا باستمرار في كلماته الاخيرة: "دعوني اذهب عند الرب".