
*الصورة: الأميركي فوسبوري في قفزته التي كانت الأبرز في اولمبياد المكسيك 1968/وكالة الصحافة الفرنسية
عشتار تيفي كوم - ارفع صوتك/
بقلم علي عبد الأمير:
لم تكن الألعاب والمباريات الرياضية قد عرفت في منطقتنا وحتى سبعينيات القرن الماضي النقل الحي لأحداثها. فكانت تبث مسجلة عبر التلفزيونات الرسمية بعد يوم أو أكثر من وقت أحداثها الفعلي. بينما كانت الإذاعات تتولى النقل الحي للأحداث والمباريات المهمة.
وفي أوائل العام 1969، عرضت دار للسينما في بغداد فيلما توثيقيا شاملا عن الدورة الأولمبية الأخيرة (حينها)، وهي دورة مكسيكو 68، يصور أبرز أحداثها وما شهدته من مسابقات ونتائج شكلت علامات فارقة في تاريخ الرياضات الأولمبية.
عندها، صاح الجمهور مع قفزة لاعب الوثب الطويل (نسميه إلى حين في العراق القفز العريض) الأميركي بوب بيمون والذي حطم الرقم العالمي في المسابقة بفارق بلغ 55 سنتيمتراً مسجلاً 8.90 مترا، أي نحو تسعة أمتار. وهو رقم ظل صعبا حتى العام 1991 حين حطمه الأميركي الآخر مايك باول مسجلاً 8.95 مترا.
وفيما كان محبو رياضة الساحة والميدان يعرفون طريقة القفز (الوثب) العالي التقليدية المسماة بـ”السرج” في استعارة لوصف القفز إلى سرج الحصان، إلا أنّ الحاضرين في صالة سينما سمير أميس لم يخفوا إعجابهم الذي صار تصفيقا عاليا بوثبة القافز الأميركي ديك فوسبوري. وكانت تكنيكا (أسلوبا) جديدا ( تغيير مسار القافز ليصبح ظهره الى العارضة ويرتفع بجسمه حيث يكون صدره ووجهه الى أعلى) وسميت كأسلوب باسمه “قفزة فوسبوري” وما لبثت أن شاعت فصارت اليوم هي الطريقة المتبعة في الوثب العالي.
للعرب بطلهم في المكسيك؟
وصفق الجمهور بقوة للبطل العربي التونسي، محمد القمودي، الذي ظفر بذهبية الركض لـ 5000 متر والذي نال أيضاً برونزية سباق العدو لـ 10 آلاف متر، متوجا بذلك إنجازه الأولمبي الذي كان قد بدأ بفضية السباق الأخير في أولمبياد طوكيو 1964.
الأبطال الأوربيون والأميركيون والعرب والأفارقة، إلى جانب بطل الاتحاد السوفياتي وأسطورة رفع الأثقال للوزن ما فوق الثقيل، كانوا بطريقة أو بأخرى يشكلون علامات إيجابية في الإنجاز والمثابرة. بل أن كثيرا منهم تحولوا إلى “أبطال روحيين” لشباب كثر في العالم. ومن بينهم شباب عراقيون لم يترددوا (وكاتب السطور منهم) في اقتناء كُراس ممتع يوثق بالصور والمعلومات الدقيقة وقائع تلك الأولمبياد وإنجازات أبطالها، وكان يباع في باب السينما ضمانا لتوزيع أوسع.
حين سحر البرازيليون خيال الشباب
وفي خريف العام 1970، تكرر المشهد، فاندفع شباب عراقيون إلى دار السينما لمتابعة فيلم وثائقي ملون وجميل عن أبرز ما حملته دورة كأس العالم بكرة القدم في المكسيك، ومتابعة السحرة البرازيليين: بيليه، جيزينيو، توستاو وغيرهم وهم يسحقون الفريق تلو الآخر حتى المباراة النهائية حين فازوا على إيطاليا 4-1 وظفروا بالكأس، الذي كان يحمل اسم “جول ريميه”، وإلى الأبد بعد فوزين سابقين: 1958 و1962.
في ذلك الفيلم الممتع حقا، امتزجت أفكار التواصل مع العالم والإنسان في احتفالاته الرياضية، بأفكار المتعة وقدرة الإنجاز، عبر أبطال بدوا لحين غير طبيعيين ويخلقون عند المتلقي انطباعات تدفع إلى المزيد من المثابرة والتفاني. وهذه مؤشرات ثقافية إيجابية اشترك فيها شباب عراقيون وعرب من تلك الأيام التي شهدت أيضا انقساما حادا بسبب الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي (الشيوعي) والغربي (الرأسمالي). حتى أن الأحداث الرياضية، ومن ضمنها تلك البطولة، لم تبتعد كثيرا عن ذلك الانقسام في التنافس. فاليسار العربي عبر صحافيين وكتاب بدا سعيدا حين سحق فريق الشرق ممثلا بزعيمه السوفياتي، فريق الغرب ممثلا ببلجيكا (عاصمتها مقر لحلف الأطلسي) بأربعة أهداف لهدف.
بغداد- مكسيكو سيتي
الإشارة الإيجابية الدافعة نحو مزيد من قيم السلام والأخوة الإنسانية تحققت حين فاز بتلك الكأس فريق البرازيل التي كانت تحضر صورته في بلداننا تلك الأيام، بصورة الإنجاز الصناعي والثقافي الذي يحث باقي دول “العالم الثالث” على التطور والمضي إلى مراحل التطور الإنساني، لا سيما أن البرازيل كانت رائدة في هذا الشأن، وتجاوزت محنة تخلفها عبر استحضار كامل قدرات مجتمعها ومنها في الرياضة التي وجدت هتافا مرحا وجميلا امتد من مكسيكو سيتي إلى بغداد.