قصة قصيرة
إهداء..
إلى طيف الياسمين.!!
في ذلِك المساء، خرجت إلى الخلف رغم البرد. الهواء كان نقيًا لدرجة أنه يلسع الرئتين. معطفها الثقيل كان يحمي جسدها، لكن وجهها بقي مكشوفًا لرياحٍ خفيفة.
مشيت ببطء نحو العشب. عند أول خطوة، شعرت بالبرودة تتسلل إلى باطن القدم.. توقّفت لحظة، رفعت رأسها نحو القمر. كان ما يزال يختبئ نصفه خلف سحابة، كأنه يراقب بصمت.
جلست على المقعد المعدني. الحديد كان باردًا حين وضعت فنجان الشراب إلى جانبها، ورفعت قدمها قليلًا، تنظر إليها كما لو أنها تنظر إلى خريطةٍ قديمة.
الدخان كان ما يزال يتصاعد، يمرّ بين عينيها والقمر، فيخلق طبقةً شفافة من الغموض.
شعرت أن الحديقة الصغيرة، بكل بساطتها، تعرفها. العشب المبلل، السياج، الشجرة، وحتى الظلال — كل شيءٍ يبدو وكأنه شاهد على خطواتها المترددة.
حين عادت إلى الداخل، خلعَت معطفها ببطء. علّقته قرب الباب جلست مجددًا قرب النافذة. القمر الآن اكتمل ظهوره للحظات، ثم تحرّك خلف سحابةٍ أخرى، كأن السماء تعيد ترتيب المشهد.
شربت من شراب الغرونولا الساخن. كان الدفء ينتشر في صدرها، يهدّئ برد القدم. الألم لم يختفِ، لكنه أصبح أقل حدّة، كأنه يستسلم لدفءٍ داخلي.
في ذلك المساء، كان المطر ينزل خفيفًا كأنّه يتعلّم البكاء للمرة الأولى. لم يكن مطرًا غزيرًا يقرع النوافذ، بل خيطًا رفيعًا من الماء ينساب على الزجاج ويترك خطوطًا شفافة، كأصابع طفلٍ يجرّب الرسم. جلست قرب النافذة، ولفّت قدمها اليسرى بقطعة قماش بيضاء أخذت شيئًا من دفء جسدها، ثم أسندت ظهرها إلى الحائط، وأغمضت عينيها قليلًا.
كان الألم يبدأ من نقطة صغيرة تحت القوس الداخلي للقدم، نقطة دقيقة كحبّة عدس، ثم يمتدّ ببطء، كجذر شجرة يبحث عن ماءٍ بعيد. أحيانًا يكون حادًّا، كإبرة تخز العصب، وأحيانًا يكون ثقيلاً، كحجرٍ دافئ وُضع هناك ليذكّرها بشيءٍ لا تريد تذكّره.
قالت في سرّها:
القدم ليست لحمًا وعظمًا فقط... بل دفتر خطوات.
حين تذكّرت الطريق إلى المدرسة الأولى، عاد الألم فجأة، كأن الذاكرة نفسها تضغط على العصب. رأت نفسها طفلة تمشي حافية فوق ترابٍ ساخن، ترفع قدمًا وتخفض الأخرى بسرعة، وتضحك كي لا تبكي. كان التراب يدخل بين أصابعها، وكانت تحبّ ذلك، تشعر أن الأرض تعرف اسمها. كانت إذا تعثّرت لا تلتفت خلفها، تمضي، كأن السقوط أمرٌ عادي في حياة من يتعلّم السير.
ثم جاءت صورة ساحة البيت القديم. الطين بعد المطر، رائحته الثقيلة، وقدمها الصغيرة تغوص فيه حتى الكاحل. كانت أمّها تصرخ من بعيد: "انتبهي!" لكنها لم تكن تنتبه. كانت تحبّ أن تغوص قليلًا، أن تشعر بأن الأرض تمسكها، لا تتركها تمضي سريعًا.
الآن، بعد سنوات طويلة، شعرت أن الأرض تمسكها من جديد... لكن بطريقة أخرى.
في الليل، حين خفّت الأصوات، وهدأ البيت، كان الألم يعلو. لا يصرخ، بل يتمدّد ببطء. وضعت قدمها على الأرض الباردة. شعرت ببرودة البلاط تسري في جلدها، ثم في عظمها، ثم في شيءٍ أعمق من العظم. همست: "ماذا تريدين؟"
لم تكن تخاطب جسدها فقط. كانت تخاطب الطريق كله.
رأت في تلك الليلة حلمًا غريبًا. كانت تمشي في ممرّ طويل مفروش بالرمل الناعم. كلما خطت، ظهرت خلفها آثار أقدام مضيئة. لكنها حين التفتت لترى من أين جاءت، لم تجد شيئًا. فقط آثارها... مضيئة كأنها كُتبت بنورٍ خافت. فجأة، بدأ الرمل يتحوّل إلى ماء، والماء إلى مرآة. نظرت إلى قدمها في المرآة، فلم ترَ جرحًا، بل رأت صورًا: وجهًا ودّعته عند مفترق طريق، بابًا أُغلق خلفها، مدينةً تركتها بلا وداعٍ كامل.
استيقظت وقلبها يخفق.
لم يكن الألم مجرّد عطبٍ في النسيج أو شدٍّ في العصب. كان كأن القدم تحفظ كل وداعٍ لم يُقَل كما ينبغي، وكل خطوةٍ أُخذت على عجل، وكل مرّةٍ مشت فيها بعيدًا عن نفسها.
في صباحٍ آخر، جلست على حافة السرير. أنزلت قدمها ببطء، كأنها تضعها في ماءٍ مجهول العمق. توقّفت لحظة، أغمضت عينيها، وتركت ثقل جسدها يستقرّ تدريجيًا. شعرت بوخزة خفيفة... ثم بشيءٍ يشبه القبول.
لم يختفِ الألم. لكنه لم يعد خصمًا.
صار أشبه برسالةٍ مكتوبةٍ بخطٍ صغير في أسفل الصفحة. تذكيرٍ رقيق:
امشي كما تشعرين، لا كما يُنتظر منك.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّرت مشيتها. لم تعد تسرع. كانت تضع قدمها على الأرض كما لو أنها تصافحها. تشعر بخشونة الإسفلت، ببرودة البلاط، بخشب الأرضيات القديمة. كانت تصغي، لا بأذنها، بل بقوس قدمها، لنبضٍ خفيّ تحت كل خطوة.
وأحيانًا، حين يشتدّ الألم قليلًا، لا تنزعج. تبتسم ابتسامة خفيفة، وتقول في سرّها: "حسنًا... فهمت."
كان في مشيتها الجديدة شيءٌ من الحنين،
وشيءٌ من الهيبة،
وشيءٌ من امرأةٍ أدركت أن الطريق لا يُقاس بطوله...
بل بصدق الخطوة عليه.