

هنالك عدّة تعاريف لمفهوم الدولة، ومنها التعريف البسيط بأنّها "النظام القائم على العصبيّة" وفقًا لابن خلدون، وصولًا لتعريف عالم الاجتماع الألمانيّ ماكس فيبر (1864 – 1920) بأنّها: "الجهة التي تحتكر الاستعمال المشروع للقوّة داخل إقليم معيّن".
ورغم ضرورة تمتّع الدولة بقُدرات التحكّم بالبلاد لاحظنا حالة التنافر التامّ بين الدولة العراقيّة الرسميّة والفصائل المسلّحة.
ويعاني العراق منذ العام 2004 من جملة مشاكل نتيجة لتداخل السلطات الرسميّة وغير الرسميّة، وبرز التداخل بوضوح بعد تشكيل "الحشد الشعبيّ" المسلّح عقب سيطرة تنظيم داعش على نصف العراق منتصف العام 2014.
وبعد نهاية المعارك بالعام 2017 تنامى دور الحشد تدريجيًّا بأكثريّة مفاصل الدولة، وحينها لم تُعالج أيّ حكومة هذه الإشكاليّات وغلّس الجميع عن هذا الملفّ الحسّاس بسبب قدرات الحشد البشريّة والسياسيّة والعسكريّة.
ولم يخف قادة الحشد الولاء لإيران، وهذه القضيّة تثير الجدل بالشارع العراقيّ ولكن لا أحد يعترض بسبب إمكانيّات الحشد الأمنيّة.
وحالة الانفصام بين الدولة والحشد ظهرت حاليًّا للعلن بعد أن كانت الظروف الماضية تتستّر على الخلافات بحجّة أنّ الحشد جزء من القوّات المسلّحة، والعمليّة السياسيّة ولديهم 90 مقعدًا من مجموع 329 مقعدًا بمجلس النوّاب!
ومع التطوّرات الإقليميّة المتنامية بالمنطقة، واغتيال المرشد الإيرانيّ علي خامنئي خرجت الأمور عن سيطرة حكومة محمد شياع السوداني، وبدأت عمليّات الفصائل العراقية بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة تجاه الكويت والسعودية وغيرهما، وكذلك للداخل تجاه أربيل وبغداد والسليمانية والبصرة والبعثات الدبلوماسيّة، ممّا دفع غالبيّة سفارات الخليج العربيّ لمغادرة العراق!
والمثير أنّ الفصائل "المقاومة"، التي تَستلم رواتبها من خزينة العراق، تضرب بلدها ومصالحه، وتهاجم شركاء الوطن من الكرد في أربيل والسليمانية ودهوك، واستهدفوا الثروات النفطيّة بالبصرة وكركوك ومستودعات الجيش العراقيّ بالموصل وغيرها، وربّما، استهدافهم شبه المؤكّد لميناء صلالة العُمانيّ بعد وصف طهران للهجوم يوم 10 آذار/مارس 2026 بأنّه "مشبوه للغاية"!
والملاحظ أنّ بيانات الفصائل أكّدت، وبوضوح، تنفيذها لعشرات الهجمات ضدّ "قواعد الاحتلال بالعراق والمنطقة"! فلماذا لم يستهدفوا قواعد الاحتلال الموجودة منذ العام 2003؟
والهجمات الحشديّة اليوميّة القاسية على أربيل دفعت الرئيس مسعود بارزاني لمطالبة "الحكومة العراقيّة والإطار التنسيقيّ بوضع حدّ لتصرّفات المجموعات الخارجة عن القانون"!
ولم تكتف الفصائل بذلك، بل صارت تُهدّد الدول المجاورة، والأسبوع الماضي هدّدت الرئيس السوري أحمد الشرع بالقول: "إنّ تجرّأتم على انتهاك سيادة لبنان وشعبه فسنجعل أرضكم ساحة مفتوحة للنار"! بينما كانت حكومة السوداني بوضع الصمت المطبق!
ونتيجة لهذه العشوائيّة يتعرّض العراق منذ أسبوعين لعشرات الضربات الجوّيّة الأمريكيّة والإسرائيليّة في بغداد والموصل والحلة وكركوك وديالى وغيرها، وبالمقابل تقف الدفاعات الجوّيّة الحكوميّة والحشديّة عاجزة عن أيّ مقاومة تُذْكر!
وأعلن الأمين العامّ لكتائب حزب الله "أبو حسين الحميداوي"، الذي يُقال بأنّه قُتِل بغارة "إسرائيليّة"، مقتل "أبو علي العسكري" المسؤول الأمنيّ للكتائب الأحد الماضي، ويبدو أنّهم لم يُعْلِنُوا مقتل الحميداوي لأسباب ميدانيّة ومعنويّة، وكذلك أعلن الحشد مقتل العشرات من عناصره وإصابة المئات بأكثر من 70 ضربة جوّيّة أمريكيّة وإسرائيليّة، ليردّ لاحقًا بعشرات الضربات ضدّ السفارة الأمريكيّة ببغداد!
ويقال بأنّ حكومة بغداد حاولت تفتيش مواقع للحشد بمنطقة "التاجيات" ببغداد بعد مهاجمة معسكر جهاز مكافحة الإرهاب ولكنّها تراجعت لاحقًا!
وسط هذه الفوضى نجد أنّ غالبيّة ساسة العراق يُغلّسون عن الواقع ويريدون تشكيل الحكومة ليس حبًّا بالعراق والعراقيّين ولكن حفاظًا على مكاسبهم ورفاهيتهم!
إنّ التخوّف على شكل الدولة ووجودها لاحتماليّة التناحر المسلّح بين الدولة والفصائل أكّده السياسيّ الشيعيّ عزت الشاهبندر: أيّ احتكاك بين الحشد والقوى الأمنيّة يؤكّد (فتنة) أنّ الحشد لا يخضع للدولة"!
الواقع الأمنيّ المتشابك والمرعب يؤكّد ضبابيّة إدارة المنظومة الأمنيّة العراقيّة من قِبل المنظومة السياسيّة، وهي معضلة مزمنة وقفت أمامها القوى السياسيّة بعجز واضح إمّا لعدم قدرتها على إصلاحها، أو لعدم رغبتها بالإصلاح لعلمها بأنّ الواقع بعيد عن مفهوم المؤسّسات الرصينة، وأنّ المتلاعبين بهذه المعاول الهدّامة للبلد مُرتبطون بأغلبيّة الساسة بطريقة ما!
الواقع السياسيّ والأمنيّ جعل ساسة العراق، وخصوصًا الشيعة، في حيرة من أمرهم لأنّهم لم يتصوّروا يومًا ما بأنّهم سيواجهون أنفسهم، أيّ أنّ تواجه الحكومة الشيعيّة الفصائل الشيعيّة، وهذه، ربّما، نقطة اللا عودة، المؤدّية للمواجهات المخيفة الكاسرة للعظم!
ثمّ هل التناحر بين الحكومة والحشد بسبب اختلافهم حول طريقة إدارة الأزمة والموقف من الحرب الحاليّة سيجعل حكومة السوداني آخر حكومة لمرحلة ما بعد العام 2003، وهل السوداني سيتعرّض لحادث أمنيّ خطير على يد رفاق الأمس؟
البناء الصحيح السليم للدولة سيؤدي يقينًا لنتائج صحيحة وسليمة والعكس صحيح، ولهذا يبدو أنّ فوضى بناء المؤسّسات الرسميّة والخلل بالتغليس عن وجود قوّات رديفة للجيش والشرطة، أو السماح بوجود دولة رديفة للدولة الرسميّة لتضرب الدولة الرسميّة بالصميم تُعتبر القشّة التي ستقصم ظهر العراق!
العراق الرسميّ اليوم بموقف حَرج، والفصائل المسلّحة أدخلته في صراعات إقليميّة مبهمة!
ولهذا فإنّ الأيّام القادمة غامضة ومعتمة بنتائجها ومآلاتها!
@dr_jasemj67