

على المسيحي - قبل كل شيء ومهما اختلفت الظروف وتنوعت المجتمعات التي يعيش فيها - أن يحيا حياة مسيحية. فكل رياء أو نفاق أو إزدواجية مرفوض لدى المسيحي الصادق لأن حياته يجب أن تتمثل بحياة المسيح
الذي كان على الأرض مُحسناً إلى الجميع. وحذار من أن يؤدي اختلاطنا بالشعوب المختلفة الغريبة عن ديننا إلى تبنّي سيئاتهم لئلا ينطبق علينا قول المزمّر:"اْختَلَطوا بِالأُمَم وتَعَلَّموا أعْمالَها" (مز35:106).
فعلى المسيحي أن يكون شاهداً لغير المنظور في هذا العالم المنظور، ويتخلّق بأخلاق المسيح والله، حسب قول القديس بولس. إنها شهادة صعبة ولكنها ضرورية لعالمنا المعاصر الذي بات لا يؤمن إلا بالمنظور والملموس. فقد ملَّ الناس من الأقوال الكثيرة والشعارات الكاذبة ومن المثاليات والنظريات والكلمات الفارغة الجوفاء، فهم يحتاجون إلى براهين حسيّة تشير إلى صدقنا ونزاهتنا فيما ننادي به. إنهم يحتاجون إلى أن نعرّفهم بالمسيح من خلال حياتنا ومحبتنا، وهذه هي رسالتنا الأولى والأساسية في المجتمع، فنصبح خميرة فعّالة في عجينة هذا العالم.
فالمسيحي في العالم هو رسول حيثما وُجِدَ، بحكم عماذه وتثبيته، ويتحتّم عليه ممارسة هذه الرسالة بجميع الوسائل "الوَيلُ لي إِن لم أبَشِّر!" يقول بولس الرسول (1كور16:9) وهذه يجب أن تهيمن عليها محبة نزيهة وشجاعة، بعيدة عن كل جُبْنٍ وضعف. فالمسيحي عليه أن يكون في ذلك شجاعاً وقوياً في حقيقته، وكلام المسيح واضح وصريح في هذا الشأن "لا تخافوا" (متى28:10).
وهناك حقيقة يجب ألا ننساها وهي: أننا مدعوون لتطعيم الحقائق الأرضية بروح الإنجيل. فنحن المسيحيين نشارك إخواننا البشر كلهم في الحقائق الأرضية ذاتها، وعلينا أن نحيا المسيح قبل أن نتكلم عنه. فالديانة السطحية لن تكون ديانة جذابة وذات تأثير عميق، والذين يلاحظون أن حياتنا تكذّب أقوالنا وادّعاءاتنا الفارغة، فتأتي حياتنا شهادة زور وشهادة معاكِسة للمسيح ولإنجيله الذي نحن مدعوّون لإعلانه بكياننا كله وليس بأقوالنا وحدها.
وأروع شهادة نقدمها، هي شهادة محبتنا الصادقة رغم جميع المواقف السلبية التي قد نقابَل بها. وتتجسد هذه المحبة بالتفهّم، والإنتباه إلى الآخرين، وبذل الذات في خدمتهم دون مصلحة شخصية أو أغراض أنانية، وكذلك الإخلاص والنزاهة في العمل اليومي والواجب حتى لو كان هذا الإخلاص سيُظهرنا بمظهر الشواذ أو المتخلفين أو الجبناء في هذا المجتمع الحالي الذي يسوده النفاق والخداع والرشوة والفساد.
فيا أيها المسيحي، لا تنسَ أنك موسوم بطابع المسيح. فقد وسم حياتك وسماً أبدياً، وهو يقتضي منك أن تكون منطقياً مع دعوتك المسيحية وأن تحياها بأصالة. فحرامٌ عليك أيها المسيحي - أنت ابن الله - أن تعيش في الواقع مثل وثني، فبدون المسيح حياة تافهة لا معنى لها بالنظر إلى دعوتك السامية. فقد قمتَ مع المسيح، لذا لا يحقّ لك أن تعيش في إنسانك المائت دون أن تظهر على وجهك وفي أعمالك القيامة الحقة والتفاؤل والرجاء والثقة. فحرامٌ عليك أنت المدعو أن تكون مسيحياً في هذه الحياة من أن تكون وجهاً كئيباً ويائساً.
فالمسيحية تكون ناصعة إذا ما نحياها بصدق في هذا العالم، فنصبح حسب قول الرب "الخميرة" و"الملح" و"النور" الذي يبدّد الأضاليل المعاصرة والمفاهيم الخاطئة. وإن شاء الله سنسهم بذلك في بناء هذا العالم وتجديده بالمسيح يسوع حينما نبني ذواتنا ونحيا مسيحيتنا بأصالة، ونكون عناصر الخير والحب والتعاون الأخوي مهما اختلفت ظروفنا وكيفما كانت عليه. ولكن لأعلم أني مسيحي، وأبقى أتساءل: لماذا، لماذا أنا مسيحي؟.