
جانب من محاضرة دراسية داخل القاعة الأكاديمية للكلية الطبية الملكية العراقية في بغداد عام 1932. تأسست الكلية عام 1927 بجهود نخبة من رواد الطب العراقيين لتكون حجر الأساس للتعليم الطبي الحديث في البلاد ومنارة علمية خرّجت أجيالاً من الأطباء. مصدر الصورة: مكتبة الكونغرس الأمريكية، مجموعة ماتسون الفوتوغرافية (رقم الاستدعاء: LC-M32- 50669-A). تصوير: القسم الفوتوغرافي للمستعمرة الأمريكية (القدس)، عام 1932. الصورة تقع في نطاق الملكية العامة (No known restrictions).
من تأسيس المؤسسات الصحية والتعليم الطبي إلى تطوير الطب النفسي والعصبي.. محطات من تاريخ الكلية الطبية الملكية العراقية وإسهامات أطبائها
بغداد – عشتارتيفي كوم
شهد العراق خلال العقود الأولى من القرن العشرين بروز عدد من الأطباء الذين أسهموا في بناء مؤسساته الصحية وتطوير التعليم الطبي الحديث، وكان من بينهم الدكتور حنا الخياط، أحد أبرز الأطباء العراقيين الذين تولوا مسؤوليات صحية وأكاديمية في الدولة العراقية الناشئة، والدكتور جاك عبودي، الذي ارتبط اسمه بالبدايات الأولى للكلية الطبية الملكية العراقية وتطوير خدمات الطب النفسي والعصبي في بغداد.
وتقدم سيرة الطبيبين جانباً مهماً من تاريخ الطب العراقي، وتسلط الضوء على إسهامات شخصيات من خلفيات دينية واجتماعية مختلفة في بناء المؤسسات العلمية والصحية، خلال مرحلة شهدت تحولات كبيرة في التعليم والإدارة والخدمات الطبية.
الدكتور حنا الخياط.. من رواد الإدارة الصحية والتعليم الطبي
وُلد الدكتور حنا الخياط في مدينة الموصل عام 1884، في عائلة مسيحية، وبرز بوصفه أحد الأطباء العراقيين الذين شاركوا في بناء المؤسسات الصحية خلال السنوات الأولى من تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
وتولى الخياط عام 1921 منصب أول وزير للصحة في العراق، في مرحلة كانت البلاد تسعى فيها إلى تنظيم خدماتها الصحية وتطوير إدارتها الطبية. كما عمل في الإدارة الصحية والتدريس، وأسهم في الاهتمام بقضايا الصحة العامة، ولا سيما صحة الأطفال ومعدلات الوفيات.
ولم يقتصر نشاطه على العمل الحكومي، بل ارتبط أيضاً بالتعليم الطبي والبحث العلمي، إذ تولى عام 1934 عمادة الكلية الطبية الملكية العراقية، واستمر في منصبه حتى عام 1936، ليكون أول عميد عراقي للكلية بعد الطبيب البريطاني هاري سندرسن باشا.
وشكلت هذه المرحلة محطة مهمة في تاريخ المؤسسة التي تأسست عام 1927، إذ تولى طبيب عراقي مسؤولية إدارتها الأكاديمية في وقت كانت فيه البلاد تعمل على إعداد كوادرها الطبية وتطوير مؤسسات التعليم العالي.
كما اهتم الخياط بالطب العدلي، وارتبط اسمه بكتاب «الدليل في مسالك الطب القانوني»، إلى جانب اهتمامه بمشكلات الصحة العامة. وتوفي عام 1959، بعد مسيرة مهنية جمعت بين الإدارة الصحية والتعليم الطبي والبحث.
وتبرز أهمية سيرته في كونها تمثل جانباً من إسهامات الأطباء المسيحيين العراقيين في بناء المؤسسات الوطنية الحديثة، من دون أن يقتصر دورهم على ممارسة المهنة الطبية، بل امتد إلى الإدارة والتدريس والتخطيط الصحي.
الدكتور جاك عبودي.. من الدفعة الأولى إلى تطوير الطب النفسي
ارتبط اسم الدكتور جاك عبودي شابي بتاريخ الكلية الطبية الملكية العراقية منذ سنواتها الأولى، إذ كان من الطلبة الذين التحقوا بالكلية عند افتتاحها عام 1927، ضمن الدفعة الأولى التي ضمت عشرين طالباً.
وُلد عبودي في البصرة عام 1908، وينتمي إلى عائلة يهودية عراقية. وبعد دراسته الطبية، اتجه إلى التخصص في الأمراض النفسية والعصبية، في وقت كانت فيه الخدمات المتخصصة في هذا المجال لا تزال في مراحلها الأولى في العراق.
وتشير الكتابات التاريخية المتعلقة ببدايات الطب النفسي العراقي إلى أن عبودي تابع دراسته التخصصية في لندن على نفقة الحكومة العراقية، ثم عاد إلى بغداد عام 1933، وعمل في المستشفى الملكي.
وفي أيار عام 1934، افتتح عيادة خاصة للأمراض النفسية والعصبية في منطقة رأس القرية وسط بغداد، قبل أن تتطور هذه التجربة إلى مؤسسة عُرفت باسم «دار الرشيد»، التي ارتبطت بتاريخ تقديم خدمات العلاج النفسي في العراق.
وقد مثّل هذا النشاط خطوة في اتجاه توفير رعاية أكثر تخصصاً للمرضى الذين يعانون اضطرابات نفسية وعصبية، في مرحلة كان فيها هذا المجال يحتاج إلى كوادر مؤهلة ومؤسسات قادرة على تقديم العلاج والرعاية.
وتكمن أهمية تجربة عبودي في ارتباطها ببدايات تطور الطب النفسي العراقي، وفي انتقال الخبرات الطبية المتخصصة من الخارج إلى المؤسسات الصحية المحلية، بما ساعد على توسيع مجالات الممارسة الطبية في البلاد.
الكلية الطبية الملكية.. نقطة انطلاق للتعليم الطبي الحديث
تأسست الكلية الطبية الملكية العراقية في بغداد عام 1927، بدعم من الملك فيصل الأول وجهود عدد من الأطباء العراقيين الذين سعوا إلى إنشاء مؤسسة وطنية لتدريس الطب وإعداد الأطباء.
وبدأت الدراسة فيها بعشرين طالباً، وتخرجت الدفعة الأولى عام 1932، لتشكل بداية تخريج أطباء تلقوا تعليمهم الطبي داخل العراق. ومع مرور السنوات، تطورت الكلية من مؤسسة ناشئة إلى إحدى المؤسسات الأساسية في تاريخ التعليم الطبي العراقي، وأصبحت لاحقاً كلية الطب في جامعة بغداد.
وقد أسهمت أجيال من الأطباء والأساتذة في تطوير مناهجها وتوسيع اختصاصاتها، كما شارك خريجوها وتدريسيّوها في دعم المؤسسات الصحية والتعليمية في مدن عراقية أخرى.
وفي هذا السياق، يمثل ارتباط حنا الخياط بالكلية من خلال عمادتها، وارتباط جاك عبودي بها بوصفه أحد طلبتها الأوائل، مثالين مختلفين على أدوار الأطباء في مسيرة تطور الطب العراقي.
تنوع المجتمع العراقي في خدمة العلم والطب
تكشف سيرة الطبيبين عن جانب من تاريخ المجتمع العراقي، حين شارك أبناء مكوناته الدينية والاجتماعية المختلفة في تطوير المؤسسات العلمية والصحية.
فقد أسهم حنا الخياط، وهو طبيب من عائلة مسيحية موصلية، في الإدارة الصحية والتعليم الطبي، بينما ارتبط جاك عبودي، المنحدر من عائلة يهودية عراقية، بتطوير خدمات الطب النفسي والعصبي.
وتبرز هذه الوقائع أهمية توثيق تاريخ الأطباء العراقيين بمختلف خلفياتهم، وتقديم إسهاماتهم في إطارها التاريخي الصحيح، بعيداً عن الخلط بين الانتماء الديني والموقع الوظيفي أو الدور التأسيسي.
إرث طبي يستحق التوثيق
يمثل حنا الخياط وجاك عبودي محطتين مختلفتين في تاريخ الطب الحديث في العراق؛ فقد ارتبط الأول بتأسيس الإدارة الصحية والتعليم الطبي، فيما برز الثاني في مجال الطب النفسي والعصبي.
وتؤكد سيرتاهما أن بناء المؤسسات الصحية العراقية لم يكن نتيجة جهود فرد واحد أو جماعة بعينها، بل حصيلة مساهمات أطباء ومختصين من خلفيات متعددة، عملوا في ظروف تاريخية صعبة من أجل تطوير التعليم والعلاج والخدمات الصحية.
ومن هنا، فإن استعادة تاريخ هاتين الشخصيتين لا تقتصر على التعريف بسيرتيهما، بل تسهم في توثيق مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث، وإبراز الدور الذي أداه الأطباء العراقيون في تأسيس مؤسسات لا يزال أثرها حاضراً في الحياة العلمية والصحية للبلاد.