
لوحة زيتية تعبيرية تجسّد مأساة مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد، وتوثّق من خلال النقوش المصوّرة مشاهد الهجوم على الكنيسة ومعاناة الضحايا، تخليداً لذكرى شهداء 31 تشرين الأول 2010. حقوق الصورة: © IshtarTV.com – تصميم فني تعبيري مولّد بالذكاء الاصطناعي، خاص بعشتارتيفي كوم.
في 31 تشرين الأول 2010، تحوّل قداس الأحد في كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في بغداد إلى مأساة دامية، بعدما اقتحم مسلحون الكنيسة واحتجزوا المصلين رهائن، قبل أن تنتهي العملية باستشهاد عشرات الأشخاص، بينهم كاهنان، وإصابة آخرين.
بغداد – عشتارتيفي كوم
تمرّ الذكرى السادسة عشرة لمجزرة كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في منطقة الكرادة بالعاصمة بغداد، وهي الجريمة الإرهابية التي هزّت العراق والعالم، واستهدفت المصلين أثناء مشاركتهم في القداس الإلهي مساء الأحد 31 تشرين الأول 2010، لتترك جرحاً عميقاً في ذاكرة أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، وفي تاريخ الوجود المسيحي في العراق.
لم تكن المجزرة مجرد اعتداء على كنيسة أو تجمع ديني، بل جريمة استهدفت مدنيين أبرياء داخل مكان عبادة، وحملت رسالة تهديد مباشرة إلى المسيحيين العراقيين، في مرحلة كانت البلاد تشهد فيها تصاعداً في أعمال العنف الطائفي والإرهابي.
اقتحام الكنيسة وتحويل القداس إلى مأساة
بدأ الهجوم مساء الأحد 31 تشرين الأول 2010، عندما هاجمت مجموعة مسلحة كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة، بالتزامن مع إقامة قداس الأحد، مستخدمة الأسلحة الرشاشة والقنابل والمتفجرات.
وبحسب التقارير التي تناولت تفاصيل الهجوم، اندلعت اشتباكات قرب الكنيسة، أعقبها اقتحام المسلحين المبنى واحتجاز المصلين رهائن، فيما أطلق المهاجمون النار على عدد من الموجودين داخل الكنيسة، وأجبروا آخرين على الاحتماء في غرف داخلية.
واستمرت عملية احتجاز الرهائن ساعات عدة، وسط حالة من الرعب والهلع، بينما طوّقت القوات الأمنية العراقية المكان، وبدأت الاستعدادات لاقتحام الكنيسة وتحرير المحتجزين.
وعندما اقتحمت القوات الأمنية المبنى، فجّر عدد من المهاجمين أحزمتهم الناسفة، ووقعت اشتباكات وانفجارات داخل الكنيسة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين المصلين وعناصر الأمن.
وذكرت تقارير أمريكية رسمية أن المهاجمين احتجزوا نحو 120 شخصاً، بينهم كاهن، وأن العملية أسفرت عن مقتل 45 من الرهائن وسبعة من أفراد قوات الأمن، فضلاً عن مقتل خمسة من المهاجمين، وإصابة عشرات الأشخاص. كما أشارت تقارير أخرى إلى اختلاف الحصيلة الإجمالية المعلنة في الأيام الأولى للهجوم.
استشهاد الكاهنين الأب ثائر عبدال والأب وسيم القس بطرس
كان من بين ضحايا المجزرة الكاهنان الأب ثائر عبدال والأب وسيم القس بطرس، اللذان كانا يحتفلان بالقداس الإلهي عند وقوع الهجوم.
وشكّل استشهادهما خسارة كبيرة للكنيسة السريانية الكاثوليكية ولأبناء الرعية، إذ استُهدفا مع المصلين داخل المكان الذي اجتمعوا فيه للصلاة والاحتفال بالقداس.
وأصدر البطريرك السرياني الكاثوليكي آنذاك بياناً أعرب فيه عن حزنه إزاء الاعتداء، وأشار إلى أن عدد الشهداء من أبناء الطائفة تجاوز الأربعين، مؤكداً متابعة أوضاع الجرحى وذوي الضحايا.
تنظيم القاعدة يتبنى الهجوم
أعلن ما كان يُعرف باسم «دولة العراق الإسلامية»، المرتبط بتنظيم القاعدة في العراق، مسؤوليته عن الهجوم، ووجّه تهديدات إلى المسيحيين، في سياق حملة استهداف طالت كنائس ومؤسسات وشخصيات مسيحية في البلاد.
وأثارت الجريمة موجة واسعة من الإدانات داخل العراق وخارجه، كما دفعت الحكومة العراقية إلى إعلان تشكيل لجنة للتحقيق في الاعتداء ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات الأمنية، إلى جانب التعهد بإعادة تأهيل الكنيسة ومساعدة المصابين وعائلات الضحايا.
وفي 28 تشرين الثاني 2010، نقلت تقارير صحفية إعلان وزارة الداخلية العراقية اعتقال 12 شخصاً قالت إنهم ينتمون إلى المجموعة المسؤولة عن الهجوم، ومن بينهم أشخاص اتُّهموا بالتخطيط والتنفيذ.
تداعيات المجزرة على الوجود المسيحي في العراق
لم تتوقف آثار المجزرة عند حدود الضحايا والدمار الذي أصاب الكنيسة، بل امتدت إلى شعور المسيحيين العراقيين بالخوف على حياتهم ومستقبلهم، ولا سيما في بغداد والموصل ومناطق أخرى شهدت تهديدات واعتداءات متكررة.
وساهمت الجريمة في تعميق موجة الهجرة والنزوح بين العائلات المسيحية، إذ شعر كثيرون بأن دور العبادة والمناطق السكنية لم تعد بمنأى عن الهجمات الإرهابية، وأن وجودهم في مدنهم التاريخية بات مهدداً.
كما دفعت المجزرة مؤسسات كنسية ودولية إلى تسليط الضوء على أوضاع المسيحيين في العراق، والمطالبة بتوفير الحماية لهم وضمان حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية والعيش بأمان ومساواة.
وفي تقريرها عن الحرية الدينية في العراق، وثّقت وزارة الخارجية الأمريكية الهجوم وما أسفر عنه من ضحايا، وأشارت إلى أن الاعتداءات على الكنائس والمواقع الدينية أثّرت في مشاركة المؤمنين في الشعائر والاحتفالات الدينية.
نصب تذكاري يوثّق أسماء الشهداء
وبقيت كنيسة سيدة النجاة شاهداً على المأساة، كما أُقيم في باحتها نصب تذكاري تخليداً لذكرى الشهداء، أنجزه النحات ثابت ميخائيل.
ويحمل النصب رموزاً دينية وقومية، من بينها الكرة التي كُتبت حولها الصلاة الربانية باللغة السريانية والمسمارية القديمة، وتعلوها صورة السيدة مريم العذراء وهي تحمل إكليل الشهادة، فيما دُوّنت أسماء الضحايا في الجزء السفلي منه.
وأصبح النصب مكاناً لاستذكار الشهداء وتجديد الدعوات إلى السلام وحماية الكنائس وحقوق المسيحيين في العراق.
ذكرى لا تغيب عن ذاكرة العراق
بعد مرور ستة عشر عاماً، لا تزال مجزرة كنيسة سيدة النجاة واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ المسيحيين العراقيين الحديث، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، بل لأنها وقعت داخل كنيسة، وبين أناس اجتمعوا للصلاة، وفي وقت كان يفترض أن يكون مناسبة للسلام والطمأنينة.
وتعيد هذه الذكرى التأكيد على ضرورة حماية دور العبادة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم الإرهابية، وترسيخ ثقافة التعايش والتآخي بين العراقيين، وضمان حقوق أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في وطنهم التاريخي.
إن استذكار شهداء سيدة النجاة هو استذكار لحق الإنسان في الإيمان والحياة والأمان، وتأكيد على أن دماء الأبرياء لا ينبغي أن تُنسى، وأن حماية التنوع الديني والقومي في العراق مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة.
المجد والخلود لشهداء مجزرة كنيسة سيدة النجاة، والرحمة لأرواحهم الطاهرة، والصبر والسلوان لذويهم ومحبيهم.