
كاتدرائية مار جرجس للسريان الأرثوذكس في دمشق، سوريا. حقوق الصورة: krebsmaus07 – Wikimedia Commons، رخصة CC BY 2.0
تقرير لمنظمة دولية يسلّط الضوء على تأثير ارتفاع أسعار الطاقة في حياة العائلات المسيحية، ويحذّر من زيادة كلفة الإغاثة وتقليص قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً.
عشتارتيفي كوم – متابعة
حذّرت منظمة «العون المسيحي الدولي» (International Christian Concern – ICC) من التداعيات المتزايدة لارتفاع أسعار الوقود والطاقة على أوضاع العائلات المسيحية في سوريا، مشيرة إلى أن الأزمة لا تقتصر على زيادة تكاليف المعيشة، بل تمتد إلى صعوبة إعادة بناء مصادر الدخل، وارتفاع كلفة المساعدات الإنسانية، وتراجع قدرة المؤسسات الإغاثية على الوصول إلى العائلات المتضررة.
جاء ذلك في تقريرين متتابعين نشرتهما المنظمة يومي 3 و4 تشرين الثاني 2026، ضمن سلسلة من أربعة أجزاء بعنوان «تأجيج الاضطهاد»، أعدّتهما الباحثة والمنتسبة إلى المنظمة ليزا نافاريت، وتناولا تأثير أزمة الطاقة في المجتمعات المسيحية المتضررة من الحرب والنزوح والاضطهاد في سوريا.
وتطرح السلسلة فكرة أساسية مفادها أن ارتفاع أسعار الوقود لا يشكّل سبباً مباشراً للاضطهاد الديني، لكنه قد يضاعف الأضرار التي خلفتها سنوات الحرب، ويجعل استمرار العائلات المسيحية في مناطقها وإعادة بناء حياتها أكثر صعوبة.
الجزء الأول: عندما يصبح ثمن الوقود ثمن البقاء
في الجزء الأول، المنشور في 3 تشرين الثاني 2026، تقارن الكاتبة بين تأثير ارتفاع أسعار الوقود في عائلة أمريكية تعيش في ولاية إلينوي، وعائلة مسيحية سورية تواجه ظروفاً اقتصادية ومعيشية مختلفة.
وتعرض الكاتبة نموذجاً سردياً لعائلة سورية تتكون من يوسف ومريم وطفليهما ووالدة مسنة، بقيت في البلاد خلال سنوات الحرب والاضطرابات. وكان يوسف قد أعاد فتح ورشة صغيرة لإصلاح المعدات بعد فترة طويلة من التعطل، فيما تتولى مريم رعاية الأطفال ووالدتها المسنة.
لكن انقطاع الكهرباء بصورة متكررة يجبر يوسف على تشغيل مولدة تعمل بالديزل لمواصلة العمل، ومع ارتفاع أسعار الوقود تزداد كلفة تشغيل الورشة، ويجد نفسه أمام خيارين صعبين: رفع أسعار خدماته بما قد يدفع الزبائن إلى الابتعاد، أو تحمل النفقات الإضافية على حساب دخل العائلة واحتياجاتها اليومية.
ولا تتوقف آثار الأزمة عند العمل، إذ ترتفع أسعار الخبز والخضراوات بسبب زيادة تكاليف النقل، كما تصبح زيارة العيادات الطبية أكثر كلفة، فيما تضطر العائلة إلى تقليل استخدام المولدة وتدبير احتياجاتها في ظل محدودية الموارد.
ويعرض التقرير كيف يمكن لهذه الضغوط أن تؤثر في قرار البقاء أو الهجرة، من خلال اتصال يتلقاه يوسف من شقيقه المقيم في ألمانيا، يعرض عليه فرصة عمل وحياة أكثر استقراراً. غير أن مغادرة سوريا تعني التخلي عن الورشة التي أعاد فتحها، والحي الذي نشأت فيه عائلته، والكنيسة التي تعمّد فيها أطفاله.
وتستخدم الكاتبة هذه القصة لتوضيح الفارق بين عائلة أمريكية تستطيع التعامل مع ارتفاع أسعار الوقود من خلال تقليص بعض النفقات غير الأساسية، وعائلة سورية قد تصبح الزيادة في تكاليف الطاقة عاملاً مؤثراً في قدرتها على الاستمرار في وطنها.
تداعيات أزمة الطاقة على الحياة اليومية
ويشير التقرير إلى أن سوق الطاقة العالمي واجه ضغوطاً كبيرة خلال عام 2026، مستشهداً بتقرير سوق النفط الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في تشرين الأول، والذي أشار إلى الضغوط التي تعرضت لها أسواق الديزل نتيجة اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا.
وبحسب التقرير، فإن ارتفاع تكاليف الوقود ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويقلل القدرة الشرائية للأسر، إلا أن تأثيراته تكون أشد في سوريا، حيث تتراكم مع آثار أكثر من عقد من الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية والبطالة وعدم الاستقرار.
وتوضح المنظمة أن الديزل لا يُستخدم للنقل فقط، بل تعتمد عليه المولدات الكهربائية، ونقل المواد الغذائية إلى الأسواق، وإيصال مواد البناء اللازمة لترميم المنازل والمحال التجارية، فضلاً عن احتياجات المزارعين والتجار والكنائس والمؤسسات الإنسانية.
وبالتالي، فإن ارتفاع سعر الوقود ينعكس على مختلف جوانب الحياة؛ فالتاجر يدفع أكثر لنقل الخضراوات، وصاحب المشروع الصغير يتحمل نفقات أكبر لتشغيل مولدته، والعائلة تدفع أكثر للوصول إلى المستشفى، فيما ترتفع كلفة نقل الغذاء والدواء إلى المحتاجين.
الضغوط الاقتصادية تزيد احتمالات الهجرة
وتلفت المنظمة إلى أن المسيحيين في سوريا تعرضوا، منذ اندلاع الحرب عام 2011، للعنف والخطف وتدمير الكنائس والنزوح والانهيار الاقتصادي، ما أدى إلى مغادرة أعداد كبيرة منهم البلاد بصورة دائمة.
وبالنسبة إلى العائلات التي بقيت أو عادت بعد النزوح، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يعرقل جهود إعادة بناء المنازل والمشاريع التجارية، ويحد من فرص العمل والتعليم أمام الشباب، ويجعل مستقبل الأبناء في البلاد أكثر غموضاً.
ويحذّر التقرير من أن الضغوط الاقتصادية قد تتحول إلى ضغوط ديموغرافية، إذ تؤدي هجرة العائلات إلى تراجع أعداد المصلين في الكنائس، وانخفاض عدد الطلاب في المدارس المسيحية، وإغلاق بعض الأعمال التجارية، الأمر الذي قد يشجع مزيداً من العائلات على المغادرة.
كما يشير إلى أن منظمة العون المسيحي الدولي تقدم دعماً للعائلات المسيحية السورية من خلال المساعدات الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية ومشاريع دعم سبل العيش، فضلاً عن مساندة الكنائس التي تخدم المجتمعات المتضررة.
غير أن ارتفاع أسعار الديزل يزيد كلفة نقل هذه المساعدات، ويجعل الميزانية الإنسانية المتاحة أقل قدرة على تلبية الاحتياجات نفسها.
الجزء الثاني: عندما تصبح المساعدات أكثر كلفة
في الجزء الثاني من السلسلة، المنشور في 4 تشرين الثاني 2026، تنتقل الكاتبة من تأثير أزمة الوقود على العائلات إلى انعكاساتها على المؤسسات الإنسانية التي تعمل على تقديم المساعدات للمجتمعات المسيحية المتضررة في سوريا.
ويعرض التقرير نموذجاً سردياً لفريق إغاثة مسيحي صغير، يبدأ أحد العاملين فيه، ويدعى كونور، يومه بمراجعة مستوى الوقود في سيارة المساعدات قبل الانطلاق لتوزيع الغذاء والدواء والمياه المعبأة ومواد النظافة على عائلات مسيحية لا تزال تعاني آثار الحرب والنزوح.
وكان الفريق يستعد للوصول إلى 24 عائلة في إحدى الجولات، بينها أرملة مسنة تعيش مع حفيديها، وعائلة عادت إلى سوريا بعد سنوات في الخارج لكنها لم تتمكن من العثور على عمل مستقر، وعائلة أخرى فقدت مشروعها التجاري خلال النزاع.
لكن ارتفاع أسعار الديزل والمواد الغذائية وقطع غيار المركبات يضع المؤسسة أمام تحديات متزايدة، خصوصاً أن عدد المتبرعين والعائلات المستفيدة والميزانية المتاحة لم تشهد زيادة مماثلة في النفقات.
ويشير التقرير إلى أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل قد يضطر المؤسسة إلى تقليل عدد الرحلات، أو خفض حجم المساعدات المقدمة لكل عائلة، أو تأجيل الوصول إلى المجتمعات البعيدة.
كما يعرض حالة سردية لأم سورية مسيحية تدعى هانا، يعاني زوجها صعوبة في العثور على عمل مستقر بعد عودتهما إلى بلدتهما، وتعتمد عائلتها على مساعدات غذائية وطبية متقطعة تقدمها كنيسة محلية. ويوضح التقرير أن تأخر وصول سيارة المساعدات أو عدم وصولها قد يترك العائلة أمام فجوة يصعب سدها بين دخلها المحدود وتكاليف الحياة اليومية.
نقص التمويل وارتفاع كلفة العمليات الإنسانية
واستشهد التقرير ببيانات برنامج الأغذية العالمي، مشيراً إلى أن اضطرابات التجارة والإمدادات العالمية أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن بنحو 20 بالمئة، ووقود الطيران بنحو 35 بالمئة، وفق الأرقام التي أوردها التقرير عن البرنامج.
كما أشار إلى إعلان برنامج الأغذية العالمي في أيار 2026 تقليص المساعدات الغذائية الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألف شخص، بسبب نقص التمويل، إلى جانب وقف برنامج دعم الخبز على مستوى البلاد، الذي كان يساعد ملايين الأشخاص في الحصول على هذه المادة الأساسية.
وذكر التقرير أن نحو 7.2 ملايين شخص في سوريا كانوا يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي في ذلك الوقت.
وشددت المنظمة على أن ارتفاع أسعار الوقود لم يكن السبب الوحيد وراء تراجع المساعدات، إذ تداخلت معه عوامل نقص التمويل والنزاع والنزوح والفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي، لكنه جعل الاستجابة الإنسانية أكثر كلفة في وقت تتزايد فيه الاحتياجات.
صعوبات إضافية أمام العائلات المسيحية
ويتناول التقرير أوضاع المسيحيين الذين يعيشون في مناطق مهمشة أو بعيدة، حيث تعتمد بعض العائلات على الكنائس والمنظمات القليلة القادرة على الوصول إليها لتأمين الغذاء والرعاية الطبية والاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أن المنظمة وثّقت، خلال أزمات سابقة بينها زلزال عام 2023، صعوبات واجهتها عائلات مسيحية في الحصول على المساعدات، ما جعل الكنائس والمؤسسات القادرة على الوصول إلى تلك المناطق مصدراً مهماً للدعم.
ويؤكد التقرير أن وجود المواد الغذائية أو الأدوية في المستودعات لا يعني وصولها إلى المحتاجين، إذ تتطلب عملية إيصالها وسائل نقل ووقوداً وموارد تشغيلية، كما أن مواد البناء لا يمكن أن تسهم في ترميم المنازل المتضررة ما لم تصل إلى أصحابها.
وبذلك، تصبح تكاليف النقل عاملاً حاسماً في تحديد المناطق التي تستطيع المؤسسات الوصول إليها، وعدد مرات تقديم المساعدات، وحجم المواد التي يمكن توزيعها.
المساعدات الطارئة ومشاريع التعافي الاقتصادي
ويشير التقرير إلى أن تقليص المساعدات قد يظهر في صور متعددة، مثل تقليل حجم السلة الغذائية، أو تأجيل زيارة قرية بعيدة، أو إرجاء مشروع صغير لدعم سبل العيش، وهي إجراءات قد تبدو محدودة لكنها تحمل تأثيرات كبيرة على العائلات التي تعيش أصلاً في ظروف اقتصادية صعبة.
كما يلفت إلى أن الاضطهاد والعنف قد يتسببان في فقدان العائلات منازلها أو أعمالها أو مزارعها ومصادر دخلها، فتضطر إلى الاعتماد على المساعدات الخارجية، ثم تواجه المؤسسات التي تقدم هذا الدعم ارتفاعاً في كلفة إيصاله.
ويبرز التقرير أهمية الانتقال من المساعدات الطارئة إلى مشاريع التعافي الاقتصادي، موضحاً أن السلة الغذائية تساعد العائلة على تلبية احتياجاتها لفترة محدودة، بينما يمكن لمشروع صغير يعيد فتح متجر أو يوفر فرصة عمل ومصدر دخل مستدام أن يساعدها على الاستقلال تدريجياً عن المساعدات.
لكن إعادة بناء مصادر الدخل تتطلب بدورها نقل المعدات والمواد وتوفير الكهرباء والموارد اللازمة، ما يعني أن أزمة الطاقة تؤثر في جانبي الاستجابة الإنسانية: تقديم المساعدات العاجلة، ومساندة العائلات لاستعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها.
ارتفاع الوقود يحدد أولويات الإغاثة
ويخلص الجزء الثاني إلى أن ارتفاع أسعار الوقود لا يقتصر تأثيره على ميزانيات الأسر، بل يمتد إلى قرارات المؤسسات الإنسانية بشأن المناطق التي يمكن الوصول إليها، وعدد الرحلات التي تستطيع تنفيذها، وكمية المساعدات التي يمكن نقلها.
وبالنسبة إلى العائلات المسيحية المتضررة من الحرب والاضطهاد، قد تؤدي هذه الضغوط إلى إبطاء التعافي الاقتصادي وإضعاف فرص الاستقرار، في وقت تحتاج فيه تلك المجتمعات إلى دعم مستمر لإعادة بناء حياتها ومصادر دخلها.
وتؤكد السلسلة في جزأيها أن الأزمات الاقتصادية لا تؤثر في المجتمعات بالمستوى نفسه؛ فالعائلات التي فقدت ممتلكاتها ومدخراتها وأعمالها وشبكات الدعم الاجتماعي خلال سنوات الحرب تكون أقل قدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية الجديدة، كما أن المؤسسات التي تساعدها تواجه بدورها ارتفاعاً في نفقات التشغيل والنقل.
ومن المنتظر أن يتناول الجزء الثالث من السلسلة تأثير ارتفاع أسعار الوقود والغذاء في زيادة الندرة والتوتر الاجتماعي والتنافس على الموارد، وكيف يمكن للمتطرفين والحركات السياسية استغلال هذه الظروف وتحميل المكونات الدينية الضعيفة مسؤولية الأزمات.