

سنة ( 1676-1751)
ST.LEONARD OF PORT MAURICE

القديس ليوناردو بورت موريس كان راهباً فرنسسكانيّاً الأكثر ورعاً بين
الرهبان, عاش في دير القديس
بونا فنشور في روما. كان من أعظم المُرسَلين في تاريخ الكنيسة. كان يَعظ للآلاف في
الساحات وفي كل مدينةٍ وقرية حيث لم يكن باستطاعة الكنيسة أن تسع لسامعيه. كان ذي
بلاغة مُبدعة ومقدسة إلى حدّ أنه مرّةً عندما أعطى رياضة روحيّة لأسبوعين في روما,
جاء البابا مع كل مدرسة الكرادلة ليسمعوه. كانت عقيدة الحبل بلا دنس للعذراء
القديسة, والتعبُّد لجسد المسيح المقدس وقلب يسوع الأقدس من حملاته التبشيريّة
الأكثر أهميّة. كان له تأثيراً عظيماً في تكوين عقيدة الحبل بلا دنس التي صيغت في
المائة سنة اللاحقة بعد موته. لقد أعطانا أيضاً التسابيح الإلهية التي كانت تستعمل
لإتمام عبادة الجسد المقدس, ولكن عبادة درب الصليب كانت من أكثر أعمال القديس
ليوناردو شهرةً. لقد مات الموت الأكثر قداسةً في عمرٍ يناهي ال 75 سنة , بعد 24
سنةً من التبشير الغير المنقطع.
واحدةٌ من أروع العظات للقديس ليوناردو بورت موريس والأكثر شهرة كانت
" عددٌ قليلٌ من أولئك الذين خُلِّصوا". كانت العظة التي بها أدخل اعظم
الخطأة في التوبة. هذهِ العظة مثل غيرها من عظاته أُخضعت لإمتحان قانون الكنيسة
خلال عمليّة ومُلاحقات التطويب. لقد راجع فيها مُختلف حالات الحياة المسيحية
واستنتج منها القلّة المُخلَّصة, والقليلة جداً بالنسبة الى العدد الكامل من
المسيحيين.
العظة
1- مقدمة:
شكراً لله, لأنّ عدد تلاميذ المخلّص ليس قليلاً ليجعل شرّ الكتبةِ
والفريّيسيين ينتصر عليهم. ومع ذلك فقد جاهد هؤلاء الأشرار فافتروا على براءة
التلميذ ليخدعوا الجموع بتعاليم السفسطة والمغالطة, وذلك بتكذيب العقيدة وسماتِ
وتعاليم سيدنا يسوع المسيح والكثير منهم مبتكرين البُقعَ السوداء حتى في الشمس,
فيخلقون بمغالطاتهم مسيحاً آخر مدركين أنه هو المسيح الحقيقي, وغير خائفين من غضبه
أو تهديده, يعلنون أنهم مسيحيّون. هل كل الذين تبعوا المسيح تبعوه حتى المجد؟ أواه
! هنا في هذا الموضوع أُوقرّ السرّالعميق, وبصمتٍ أعبد أعماق مراسيمه, عوضاً عن
الإسراع بأي قرار في هذه النقطة! الموضوع الذي سأعالجه اليوم خطيرٌ جداً ؛ لقد
سبّب الرجفة والخوف حتى لأعمدة الكنيسة الكبار, وملأ أعظم القديسين بالرعب, وأسكن
الصحارى بالنساك.
النقطة المهمة في هذه العظة
هي أن نعرف ما إذا كان عدد المسيحين المخلّصين هو أكبر أو أقل من عدد المسيحيين
المدانيين لجهنّم ؛ سوف تُصدِرُ فيكم, وكما أتمنى, خوفاً عميقاً من دينونة الله
الديّان. إخوتي, بسبب المحبّة التي أكنُّها لكم, أتمنى لو باستطاعتي أن أطمئِنكم
بإمكانية السعادة الأبدية بقولي لكل واحدٍ منكم: أنت ذاهبٌ إلى الجنة بالتأكيد ؛
العدد الأكبر من المسيحيين هو مُخلَّص, إذاً أنتم ايضاً مخلَّصون. لكن كيف لي أن
أعطيكم هذا التأكيد الشيّق إذا ثُرتُم ضد التعاليم الألهيّة, وكأنكم أنتم ألدّ
أعداء أنفسكم؟ لقد خبرتُ في الله أمنيته الخالصة ليخلّصكم, ولكنني وجدتُ فيكم رغبة
مُحكَمةً لتُدانوا. إذاً ماذا أكون اليوم فاعلاً إذا تكلّمت بصراحة؟ سوف أُثيرُ
استياءَكم. لكن إذا لم اتكلم, سوف أُثيرُ أستياءَ الله.
لذلك سوف أرتبُ هذا الموضوع في نقطتين. في النقطة الأولى, ولأملأكم
بالرعب, سأدع اللاهوتيين وآباء الكنيسة يقررون في هذا الموضوع ويصرحون بأن العدد
الأكبر من المسيحيين الراشدين هم مدانون لجهنّم؛ وبعبادة صامتة لهذا السرّ الرهيب,
سأحتفظ بمشاعري لنفسي. وفي النقطة الثانية سأتعمد الدفاع عن طيبة وجود الله ضدَّ
ما هو ضد الله, بالبرهان لكم أن المدانيين لجهنم هم مدانيين بخبثهم وشرهم, لأنهم
أرادوا أن يكونوا مُدانيين. إذاً هنالك حقيقتين مهمتين. إذا كانت الحقيقة الأولى
قد أرعبتكم, لا تتخذوها سبباً ضدي, وكأنني أردتُ أن أجعل طريقكم إلى السماء أضيق
مما هو عليه, لأنني أردت أن أكون مُحايداً في هذا الشأن؛ لكن بالحريّ إتخذوها
سبباً ضد اللاهوتيين وآباء الكنيسة الذين سينقشون هذهِ الحقيقة في قلوبكم بقوة
الحجّة. إذا كنتم قد حُرِّرتم من الأوهام بسبب الحقيقة الثانية, فقدموا الشكر لله
عليها, لأنه يريد شيئاً واحداً فقط: وهو ان تعطوا قلوبكم بكليتها له. أخيراً, إذا
أجبرتموني أن أقول لكم بصراحة ماذا أعتقد, سأفعل لتعزيتكم.
2- تعليم آباء الكنيسة:
ليس من الفضول بل من التحذير الصحيح أن نعلن من أعالي المنبر بعض
الحقائق التي تخدم بشكل مدهش كَسَلَ الأحرار المتسامحين, الذين يتكلمون دائماً عن
رحمة الله وعن السهولة التي تتم فيها التوبة للذين غطسوا في كل أنواع الخطيئة والذين هم نائمون بعمقٍ على
الطريق إلى جهنم. لنحررهم من الأوهام ونوقظهم اليوم من خدَرهم وبَلادتهم, دعونا
نمتحن هذا السؤال العظيم: هل عدد المسيحين المخلّصين أكبر من عدد المسيحيين المُدانيين
إلى جهنم؟
أيتها الأنفس التقيَّة, تستطيعين أن تغادري الآن؛ هذهِ العظة ليست
لكِ. هدف هذهِ العظة الوحيد هو أن تُحيط
بكبرياء الأحرار المتسامحين الذين طرحوا مخافة الله المقدسة خارج قلوبهم واتحدوا
قوىً مع ابليس الذي , بالنسبة إلى رأي يوسيبيوس, يغرق الأنفس في جهنم بتطمينهم
اطمئناناً كاذباً. لنحلّ مسألة الشك هذه, دعونا نضع آباء الكنيسة, الإغريق
واللاتين معاً, على جهة واحدة, وعلى الجهة الأخرى نضع أكثر اللاهوتيين علماً وألم
المؤرخين؛ ولنضعْ أيضاً الكتاب المقدس في الوسط بين الجهتين المذكورتين على مرآى
الجميع. والآن إسمعوا لا لما سأقول لكم لأنني سبق وقلت لكم أنني لا أريد أن أتكلم
لنفسي أو أقررّ في هذا الموضوع- ولكن إسمعوا لما ستقوله لكم هذه العقول العظيمة,
هؤلاء الذين هم منارةٌ في كنيسة الله لتنير للآخرين بحيث لا يضلّون الطريق إلى
السماء. في هذه الطريقة التي فيها نحن مُرشدون ومُقادون بالنور الثلاثي للأيمان, والسلطة
والعقل, سنستطيع حل هذه المسألة الخطيرة بالتأكيد.
لاحظوا جيداً هنا أن هذهِ المسألة لا تشمل الناس ككلّ, ولا تتناول
الكاثوليك كلهم بدون تمييز, لكنها تشمل فقط الكاثوليكيين الراشدين, الذين يتمتعون
بحريّة الإختيار والقادرين أن يساهمون على قدرٍ كبيرٍ في خلاص أنفسهم. لنستشير
أولاً اللاهوتين المعروفين بأنهم يمتحنوا الأشياء بعناية فائقة ولا يضخمون الأمور
في تعليمهم: لنصغ إلى أسقفين من الكرادلة المثقفين, كاجيتان و بيلارمين. هما
اللذان يُعلّمان أن العدد الأكبر من المسيحيين الراشدين مُدانيين إلى جهنم, ولو لديّ
الوقت لأشير على الأسباب التي اعتمدوا عليها, لأقتنعتم بها انتم بأنفسكم. لكنني
سأكتفي هنا لأستشهد بأقوال سواريز. بعد العودة إلى كل اللاهوتيين والدراسة العميقة
للموضوع, كتب سواريز: " الرأي الغالب عند اللاهوتيين هو أن بين المسيحيين
هناك الأنفس المدانة إلى جهنم أكثر من الأنفس المختارة إلى السماء".
أضيفوا أيضاً الهيئة الكنسية للآباء الأغريق والاتين إلى اللاهوتيين
فستجدون أنهم بغالبيتهم قد قالوا نفس ما قاله سواريز, الذي كان يتكلم عن آراء
القديسين ثيودورس, وباسيليوس, وأفرام, ويوحنا الذهبي الفم. وماذا بعد فيما قاله
القديس بارونيوس بأن الرأي الغالب عند الآباء اليونانيين في هذه الحقيقة أنها
أعطيت في الوحي للقديس سمعان العامودي وأنه بعد هذه الرؤيا كان لا بدَّ له من
تأمين خلاصه الشخصي في أنه قرّر لذلك أن يعيش واقفاً فوق عامود لأربعين سنة,
مُعرّضاً نفسه للشمس والشتاء والبرد, المثال في التوبة والقداسة لكل مسيحيّ,
لنستشير الآن الآباء اللاتين, فستسمعون القديس غوريغوريوس قائلاً بوضوح: "
كثيرون قد أتوا إلى الإيمان, لكن القليلون يذهبون إلى الملكوت السماوي".
والقديس أَنْسِلْم يصرّح" " القلائل هم المُخلصون". القديس
أوغسطينوس أعلن بوضوح ٍ أكثر قائلاً " لذلك, قليلٌ هم الذين يخلصون اذا ما
قارناهم بالذين يدانون إلى جهنم". والتصريح الأكثر رعباً هو للقديس جيروم. في
آخر أيام حياته, وعند حضور تلاميذه, تكلم بهذه الكلمات المخيفة: " من مائة ألفٍ
من الناس الأحياء الذين يعيشون أشراراً على الدوام, ستجدون بالكاد واحدٌ فقط يستحق
الرحمة".
3- كلامُ الكتاب المقدس:
لكن لماذا نطلب آراء الآباء واللاهوتيين, عندما يعطي الكتاب المقدس
الجواب الواضح لهذا السؤال؟ إبحثوا في العهدين القديم والجديد, فستجدون الكثير من
الصور والرموز والكلمات التي تشير بوضوحٍ إلى هذه الحقيقة: " قليلٌ هم الذين
يخلصون". في أيام نوح غرقت البشريّة كلها في الطوفان, وثمانيةٌ منهم فقط قد
خُلّصوا في السفينة( سفينة نوح). القديس بطرس يقول: " هذه السفينة كانت صورةً
للكنيسة", بينما القديس أوغسطينوس يضيف قائلاً: " وهؤلاء الثمانية الذين
خُلِصّوا يَدلّون على أن قليلٌ فقط من المسيحيين سيشملهم الخلاص, لأنه هناك القليل فقط من الذين يتخلوَّن عن
العالم, وأما أولئك الذين يتخلونَ عن العالم فقط في الكلام, لا ينتسبون إلى سرّ
الخلاص الممثَّلُ بسفينة نوح". والكتاب المقدس أيضاً يقولُ لنا أن عبرانيين
فقط من أصل مليونين من العبريين دخلوا أرض الموعد بعد رحيلهم من مصر, وأيضاً أنّ
أربعةً فقط هربوا من سدوم والمدن المحترقة حولها التي فنيت بالنار. كل هذا يعني أن
عدد المُدانيين إلى جهنم الذين سيلقون في النار كالقش هو أعظمُ بكثير من عدد
المخلّصين, الذين سيجمعهم الآب السماويُّ يوماً إلى أهرائه السماوية كالحنطة
الثمينة.
لن أنتهي أبداً إذا كان عليّ أن أشير إلى كل الصور والأرقام التي بها
يؤكد الكتاب المقدس هذه الحقيقة؛ تعالوا
نُسمِعُ أنفسنا كلمات الوحي الإلهي من الحكمة المتجسدة. بماذا أجاب سيدُنا
في الإنجيل, حشريّة الرجل الذي سأله: " يا معلّم هل هناك فقط القليل من الذين
يخلصون؟ ". هل بقي يسوع صامتاً؟ هل أجابه بتردُّد؟ هل أخفى أفكاره خوفاً من
أن يخيف الحشد؟ لا. لقد سُؤلَ من واحدٍ فقط, لكنه أجاب كل الحاضرين. قال لهم:
" تسألونني إذا كان هناك القليل فقط من الذين يخلصون؟- ( هذا هو جوابي)-
إجتهدوا بأن تدخلوا من الباب الضيق؛ لأن كثيرين, أقول لكم, سيطلبون الدخول ولن
يستطيعوا". من المتكلم هنا؟ إنه ابن الله, الحقيقة الأزليّة, الذي قال في
مكانٍ آخر ماهو أوضح من هذا: " المدعون كثيرون, لكن المختارونَ قليلون"
. هو لم يقل كل الناس مدعوين, ومن بين كل الناس قليلٌ هم المختارون, لكنه قال:
المدعوون كثيرون؛ وهذا ما يعني, كما شرح القديس غوريغوريوس, أن من بين الناس, هناك
الكثير من المدعوّين إلى الإيمان الحق, ولكن من بين هؤلاء المدعوّين قليلُ فقط ينال
الخلاص. إخوتي هذه هي كلمات سيدنا وربنا يسوع المسيح. هل هي واضحة؟ هي حقيقيَة.
أخبروني الآن إذا كان من الممكن أن يكون الإيمان في قلوبكم لا الرجفة والذعر.
4- الخلاص في مختلف حالات الحياة:
ولكن آهٍ, أرى أنني إذا كنت متكلماً بهذه الطريقة بشكلٍ عام من بين كل
الطرقِ الآخرى, سأُضيعُ نقطتي. إذاً دعونا نطبّق هذه الحقيقة على مختلف الحالات,
ستفهمون أنه يجب عليكم إمّا أن تطرحوا خارجاً العقل, والخبرة والمفاهيم الفطرية
والإجتماعية للمؤمن, وإمّا أن تعترفوا أن العدد الأعظم من الكاثوليك هم مُدانون
إلى جهنم. هل هناك أيّة حالةٍ في العالم أكثر إرضاءً للنزاهة والبراءة التي بها
يبدوا الخلاصُ أسهل والتي منها يتخذُ الناس فكرةً أعلى وأفضل من التي لدى الكهنة,
ضبّاطُ الله؟ في الوهلة الأولى, عن الذي لا يفكّر أن مُعظم الكهنة ليسوا فقط
جيّدين بل بالآحرى كاملين؛ ومع ذلك فأنا مصابٌ بالذعر عندما أسمع القديس جيروم
يصرح قائلاً بأنه بالرغم من أن العالم مليءٌ بالكهنة, فبالكاد واحدٌ بالمائة فقط
يحيا في حال النعمة؛ عندما أسمع خادماً لله يشهد أنه علم بالوحي أن عدد الكهنة
الساقطين في جهنم كلّ يوم هو عظيمٌ جدّاً
لدرجة أنه يظهر له إنه من غير الممكن أن يبقى أيٍّ منهم على وجه الأرض؛ عندما أسمع
القديس يوحنّا الذهبيّ الفم يُعلِن قائلاً والدموع في عينيه: " أنا لا أُؤمن
أن عدداً كبيراً من الكهنة مُخلَّصون؛ بل على العكس, فالعدد الأكبر هو للمُدانين
إلى جهنم" . أنظروا إلى أعلى من هذا أيضاً, أنظروا إلى أساقفة الكنيسة
المقدسة, الرعاةُ المعنيّون بخلاص الأنفس. هل عدد المخلّصين من هؤلاء هو أكبر من
عدد المحكومين لجهنم؟ أصغوا إلى كانتيمبر؛ سيعطيكم شهادةً حَدَثٍ على ذلك, وانتم
تستنتجون الحقيقة.
كان هناك مجمعاً للأساقفة قد
عُقِدَ في باريس, وكان هناك عددٌ كبيرٌ من الأساقفةِ ورعاةِ الأنفس قد حضرَ
المجمع؛ الملكُ والأمراءُ أيضاً كانوا قد حضروا ليزيدوا اللمعة لذلك المجمع
بحضورهم. واعظٌ مشهورٌ كان قد دُعِيَ ليعظ في ذلك المجمع. وأثناء تحضيره للعظة
التي كان سيلقيها, ظهر لهُ شيطانٌ مُرعِبٌ وقال له": [ إطرح كتبَكَ جانباً.
إذا كنت حقاً تريدُ أن تعطي عظةً نافعةً لهؤلاء الأمراءِ والأساقفة, إرض ذاتك
بإخبارهم من جهتنا , وفيما يخصُّنا ما يلي: " نحن أمراء الظلمة نشكركم, أمراء
وأساقفة ورعاة الأنفس, لإهمالكم, لأن العدد الأكبر من مؤمنيكم قد حُكمَ عليه
ليُلقى في جهنم؛ ونحن أيضاً, قد هيأنا لكم مكافأةً لهذه الخدمة التي أسديتموها
لنا, عندما ستكونونَ معنا في جهنم."].
الويل لكم انتم الذين تقودون الأخرين! إذا كان الكثيرون قد أُلقو في
جهنم بسبب أخطائكم فما الذي يحدثُ لكم إذاً؟ إذا كان القليل فقط من عدد أولئك
الذين كانوا منذ البدء في الكنيسة, يخلصون, فماذا سيحدثُ لكم إذاً؟ خذوا كل
الحالات, الذكور والإناث, كل الحالات والشروط: أزواج, زوجات, أرامل, فتيات و
شابات, وشباب, جنود, تجّار, حرفيّين, أغنياء وفقراء, نبلاء وعامة. ماذا سنقول على
هؤلاء الذين يعيشون حياة الشر؟ القصة التالية من القديس فينسينت فيرير ستريكم ما
هو من الممكن أن تفكروا به في هذا الموضوع. لقد قصّ لنا أن رئيسُ شمامسة في مدينة
ليون قد تخلّى عن منصبه كرئيسٍ للشمامسة ودخل الصحراء ليعيش حالة التوبة والقداسة,
ومات في نفس اليوم ونفس الساعة التي مات فيها القديس برناردو. بعد موته, ظهر
لأسقفه وقال له: " إعلم يا سيّد, أنني في الساعة التي متُّ فيها, ثلاثةٌ
وثلاثون ألفاً من الناس قد ماتوا أيضاً. من هؤلاءِ كلِّهم, برناردو وأنا صعدنا إلى
السماء بدون أي تأجيل, ثلاثةٌ ذهبوا إلى المطهر, والباقون قد سقطوا كلهم في
جهنم" .
سجلات الأحداث والوقائع التي نحتفظ بها عندنا تروي حتى ما هو أكثرُ
رُعباً من هذا. واحدٌ من إخوتنا في الرهبنة, معروفٌ جداً بعقيدته وقداسته, كان
يعظُ في ألمانيا. تطرّأ في عظته الى قباحة الخطيئة في عدم الطهارة, ولقوّة العظة
وقعت إمرأة ميتةً من ندمها أمام الكل. وبعدئذٍ عادت إلى الحياة وقالت: " عندما
أُحضِرتُ أمام محكمة الله, ستون ألفاً من الناس وصلوا في نفس الوقت من كل جهاتِ
العالم؛ من كل ذلك العدد الهائل, ثلاثةٌ فقط خُلِّصوا بذهابهم إلى المطهر, وكل
الباقين حُكِمَ عليهم بأن يُلقَوا في جهنم".
يا لها من هاويةٍ لدينونة الله! من ثلاثةٍ وثلاثين الفٍ, خمسةٌ فقط قد
خُلّصوا ! ومن ستين الفٍ, ثلاثةٌ فقط قد خَلُصوا ! أنتم أيها الخطأة الذين يستمعون
إليّ, في أيّ فئةٍ سَتُفرزون؟... ماذا تقولون؟... ماذا تعتقدون؟...
أرى أنكم كلكم تقريباً قد أحنيتوا رؤوسكم, مملؤين بالدهشة والرعب. لكن
لندع اُنشداهنا جانباً, وعوضاً عن تملُّق أنفسنا, دعونا نستخلص بعض الفائدة من
خوفنا. أليس حقاً أن هنا طريقين يقودانِ إلى السماء: البراءة والتوبة؟ الآن, اذا
أريتكُم أن القليل من الناس يأخذون أي من هذين الطريقين, كأناس عقلاء ستستنتجون أن
القليل فقط يخلصون. ولنذكر البراهين على ذلك فنقول: في أي عمر ٍ, أو وظيفة أوحالة ستجدون أن عدد
الأشرار ليس فقط مائة ضعفٍ أكثر من الأخيار, بل يمكن لأحد أن يقول في هذا,"
الأخيار هم نادرون وعدد الأشرار عظيم
جداً"؟ نستطيع أن نقول عن زماننا ما قاله سَلفيانوس عن زمانه: " من
السهل أن تجد حشداً لا يُعدُّ من الخطأة الغارقين في أنواع الإثم والخطيئة من أن
تجد قليلٌ من الصدّ يقين الأبرياء. كم من الخدّام هم أمناءَ بالكامل و أوفياء في
واجباتهم؟ كم من التجار هم عادلون ومنصفون في تجارتهم؛ كم من الِحِرَفيينَ هم
أَدِقاء وأُمناء؛ كم من البائعين هم نزهاء ومخلصين؟ كم من رجال القانون لا يتناسون
العدالة؟ كم من الجنود لم يدوسوا على البراءة؛ كم من الأسياد لم يُمسِكوا بجور ٍ
رواتب أولئك الذين يخدمونهم, أو لم يطلبوا السيادة على الذين أدنى منهم؟ الأخيارُ
نادرون في كل مكان اما الأشرار فهم ذو عددٍ عظيم. من الذي لا يعلمُ اليوم بأن هناك
كثيرٌ من حريّة الفسق والفجور بين الراشدين, خلاعةٌ بين الفتيات الشابات, وغرورٌ
باطل بين النساء, إباحيّة عند النبلاء والأشراف, فساد في الطبقة الوسطى, إنحلالٌ
أخلاقي في الشعب, صفاقةٌ ووقاحة عند الفقراء, ذلك ما يدفع الأنسان ليقول ما قاله
داود عن زمانه: " كلهم على السواء قد ضلّوا وزاغوا... وليس هناك واحدٌ قد عمل
الخير, ولا حتى واحد". اذهبوا إلى الشارع والساحة العامة, إلى القصر والبيت,
إلى المدينة والريف, إلى محاكم القانون, وحتى إلى هيكل الله. أين ستجدون الفضيلة؟
" يا للأسف!" صرخ سيلفيانوس, " ما عدا العدد الصغير جداً منهم من
الذين هربوا من الشر, ماذا يكون مجمع المسيحيين إذا لم يكن مغسلةً للرذيلة
والخطيئة؟ " كلُّ ما نجده في كل مكان ٍ هو الأنانيّة, الطموح الجامح,
النَّهم, والفخفخة. الم تكن الشريحة الأكبر من الناس مدنّسةً برذيلة الزّنى, أوليس
القديس يوحنا على صوابٍ عندما يقول" العالمُ كلُّه- وكأنه شيءٌ فاسد قد دُعيَ
بالعالم- قائمٌ على الشر؟" لستُ أنا الذي يقول لكم؛ وهذا السبب قد يُجبركم أن
تؤمنوا أن من كل هؤلاء الذين يعيشون حالة الخطيئة, القليل منهم فقط قد يخلصوا.
لكنكم ستقولون: ألا تستطيع التوبة أن تصلح وتستعيد ما قد خسرته
البراءة من الناس؟ هذهِ حقيقة, أنا أعترف بها. لكنني أعلمُ أيضاً أن التوبة صعبةٌ
في التطبيق والممارسة, لقد خسرنا هذهِ العادة بالكامل, وهي مُساءةُ الإستعمال
بفظاعةٍ من الخطأة, وهذا وحده يكفيكم لتقتنعوا أن القليل فقط يخلص عن طريق التوبة.
آهٍ, كم هو شديد الإنحدار, وضيّق, وشائك, ومرعب لنشاهد وكم هو صعبٌ لنتسلّق !
ننظرُ في كلّ مكان فنرى آثار الدماء وأشياء تفيقُ فينا الذكريات الأليمة والمحزنة.
كثيرون استفاقوا توّاً عند مشاهدتها. وكثيرون تراجعوا إلى الوراء توّاً عند
بدايتها. وكثيرون سقطوا من الضجر والتعب في منتصف الطريق, وكثيرون استسلموا ببؤسٍ
عند النهاية. وكم هم قليلون الذين ثابروا مجاهدين فيها حتى الموت ! القديس
أمبروزقال أنه من الأسهل لنا أن تجد أناساً من الذين حفظوا براءتهم من الخطيئة من
أن نجدَ أيٍّ من أولئك الذين طبقوا ومارسوا التوبة بوفاء وأمانة.
إذا أخذتم سرّ التوبة بعين الإعتبار, فستجدون أن هناك الكثير من
الإعترافات المحرّفة والمشوّهة, هناك الكثيرُ من الأعذار الواهية, وهناك الكثير من
الوعود المزّيفة, وهناك العديد من الحلول التي لا فاعليّة لها, وهناك الكثير من
حالاّت الإعتراف التي لا فاعليّة لها ولا صحة! هل تعتبرون اعتراف أحدهم شرعيّاً
عندما يتهم نفسهُ أنه قد ارتكب خطايا ضد الطهارة وهو ما زال ممسكاً بها لملذاته؟
أو اعتراف آخر من الذين اتهموا نفسهم بظلمٍ قد اقترفه علناً ولكن على نيةِ أن لا
يصلح أي شيء من هذا الظلم الذي اقترفه؟ أو آخر قد سقط ثانيةً بخطيئةٍ اقترفها
مباشرةً بعد ذهابه إلى الأعتراف؟ آهٍ, لبشاعة سوء الإستعمال لسرّ ٍ عظيم ٍ كهذا !
واحدٌ يعترف ليجتنب الحرم الكنسيّ, وآخر يعترف ليصنع لنفسه سمعةً بأنه تائب.
وواحدٌ يحررّ نفسه من خطاياه ليهدّيء من شدة ندمه, وآخر يخفيهم ويتكتم عليهم خوفاً
من العار. واحدٌ ينعتُ خطايا بالنقص بسبب خبثه, وآخر يبوح بهم بسبب عادته على ذلك.
واحدٌ لم يأتِ من أجل الهدف الحقيقيّ لهذا السرّ, وآخر ينقصهُ الحزن الضروريّ على
حالتهِ الخاطئة. يا أيُّها المُعرّفين( الكهنة) المساكين, ما هو الجهد الذي
بذلتموه لتأتوا بهذا العدد الكبير من التائبين إلى هذه الحلول والممارسات, التي
بدونها يصبح سر الاعتراف هذا هرطقة, والحلّة للخطايا تصبحُ دينونة, والتوبة تُصبحُ
وهماً وهراء؟ أين هم أولئك الآن الذين يعتقدون أن عدد الذين يُدانون إلى جهنم,
وأين أولئك الذين, لنفوّض هنا رأيهم, يعتقدون أن: الشريحةُ الأكبر من الراشدين
الكاثوليك يموتون في أسِرَّتهم مسلّحين بأسرار الكنيسة, لذلك معظم الراشدين
الكاثوليك يخلصون؟ آه, يا له من اعتقادٍ جميل ! يجب أن تقول العكس تماماً لذلك.
معظم الراشدين الكاثوليك يعترفون بسوءٍ عند الموت, لذلك معظمهم قد حُكِم عليهم
للذهاب إلى جهنم. أقول " هذا بكل تأكيد", لأن الشخص الذي لم يعترف
بالكامل وبالطريقة الصحيحة عندما كان بصحةٍ جيدة سوف يكون اعترافه أصعب وأعسرَ
ليفشي ويبوح بخطاياه وهو على سرير الموت بقلب هامد, وبرأس متقلّب, وعقلٍ متعكّر؛
عندما تعترضه عقباتٌ كثير وبطرق كثيرة, مثل الأمور المتعلقة بحياته, والظروفُ التي
مازالت في وقت حدوثها, والعادات المكتسبة, وفوق كل هذا تعترضه الشياطين التي تبحث
على كل الوسائل لتُسقطه في جهنّم. والآن إذا أضفتم إلى كل هؤلاء التائبين المزيفين
كل الخطأة الذين يموتون في وقت غير مُتوقع وهم في حال الخطيئة, وذلك بسبب جهل الأطباء
أو بسبب أخطاء أقاربهم, أو ماتوا بشكلٍ مفاجيء مُسممَّين أو مدفونين تحت الأنقاض
بسبب الزلازل, أو الذين ماتوا بسبب جلطةٍ أو بسبب سقوط, أو في ساحة المعركة, أو في
قتال, أو ماتوا في فخّ خبيث, أو ماتوا مصابين بصاعقة, محترقين. أو غرقى, ألستم
مُجبرين على الإعتراف أن معظم الراشدين المسيحيين محكومٌ عليهم بالموت في جهنم؟
هذا هو اعتقاد القديس يوحنا الذهبي الفم. قال هذا القديس أن معظم المسيحيين يسيرون
على الطريق إلى جهنم في خلال حياتهم.
لماذا إذاً أنتم متفاجئين بأن العدد الأكبر ذاهبٌ إلى جهنم؟ لتصلون إلى
بابٍ من الأبواب, وجب عليكم أن تأخذوا الطريق الذي يؤدي إلى ذلك الباب. فماذا
لديكم لتجيبوا على اعتقادٍ سائدٍ كهذا؟
ستجيبونني وتقولون أن رحمة
الله عظيمة جداً. نعم, لأولئك الذين يخافونه, كما قال النبي؛ لكن عظيمة أيضاً
عدالته لأولئك الذين لا يخافونه, التي ستدين الخطأة التي صَلُبت جباههم. بعد ذلك
ستقولون لي: حسناً, فلمن ستكون الجنّة إذاً, إذا لم تكن للمسيحيين؟ هي للمسيحيين
بالطبع, لكن لأولئك الذين لم يجلبوا العار على مسيحيتهم, والذين عاشوا كمسيحيين
حقيقيين. علاوة على ذلك, إذا كان عدد المسيحيين الراشدين من الذين ماتوا في نعمةِ
الله, وأضفتم العدد الذي لا يُحصى للأولاد الذين ماتوا بعد العماد وقبل أن يبلغوا
سنّ الرشد, لن تكونوا متفاجئين عندما تسمعون القديس يوحنّا الرسول متكلماً على
أولئك المخلّصين فيقول, " لقد رأيت حشداً كبيراً لا يستطيعُ إنسانٌ أن
يُحصيه".
وهذا ما يخدع أولئك الذين يدّعون أن عدد المُخلّصين من بين الكاثوليك
هو أكبر من عدد الساقطين في جهنم... هذا إذا أضفنا الى ذلك العدد الراشدين الذين
حافظوا على ثوبهم ناصعاً, أو بعد أن دنسّوه غسلوه بدموع التوبة, فإنه من الأكيد
عندها أن يكون العدد الأكبر منهم قد خُلِّص؛ وهذا ما يُفسِّر كلمات القديس يوحنا,
" رأيتُ حشداً عظيماً", وهذه الكلمات أيضاً لسيدنا وربنا, "
الكثيرون سيأتون من المشارق والمغارب, وسيجلسون على مائدة إبراهيم وإسحق ويعقوب في
ملكوت السماوات", والأعداد الأخرى التي عادةً تقالُ في هذا الرأي. ولكن إذا
كنتم تتكلمون عن المسيحيين الراشدين, فالخبرة والعقل والسلطة الدينية والصواب
والكتب المقدسة, كل ذلك يؤكد على الرهبان في أن العدد الأكبر قد دِينَ إلى جهنم.
لا تعتقدوا أنه بسبب هذا, الجنة فارغة؛ على العكس فإنها ملكوتٌ مكتظٌّ بسكانه.
وإذا كان الساقطونَ في جهنم هم " كثيرون وعلى عدد رمل البحر",
المخلَّصين هم " كثيرون وعددهم كعدد نجوم السماء", وهذا يعني, أن عدد
الفريقين الواحدُ كالآخر لا يُحصى ولا يُعدّ, مع فرقٍ بسيطٍ بينهما.
كان القديس يوحنا فم الذهب يُعِظُ يوماً في كاثدرائيةٍ في
القسطنطينية, واعتباراً لنسبة الأعداد هذه, فلم تكن لتساعده أبداً بل ارتعش رعباً
وسأل " من كل هذا العدد الهائل من الناس, كمّ منهم سيخلص في اعتقادكم؟ "
وغيرُ منتظرٍ للإجابة على هذا السؤال, أضاف قائلاً" من بين العديد العديد من
آلاف الناس, لن نجد مائةً يخلصون, وأنا أشكُّ حتى في المائة هذه". كم هو
مرعبٌ ! القديس العظيم اعتقد انه من الكثير الكثير من الناس, مائة بالكاد يخلصون؛
وحتى المائة منهم لم يكن من المؤكد خلاصهم. ماذا سيحدث لكم أنتم الذين يسمعونني؟
يا أيها الإله العظيم, لا أستطيع التفكير
في هذا بدون أن ارتجف رعباً! إخوتي, مسألةُ الخلاص هي مسألةٌ صعبةٌ للغاية؛ لأنه
تِبعاً للأغلبيّة العظمى من اللاهوتيين, عندما يتطلبُ الهدف جُهداً عظيماً, القليل
فقط في اعتقادهم يبلغ ذلك الهدف( أي الخلاص). إنه لهذا السبب قال القديس الأكوينيّ,
معلم الكنيسة الملائكي مستنتجاً في النهاية, بعد أن وزن كل الأفكار والإعتقادات
التي هي "مع" و "ضد" هذه المسألة في علمه ومعرفته الواسعة, أن
العدد الأكبر من الكاثوليك الراشدين هم مدانون إلى جهنم. قال " لأن التطويب
الأبدي يتجاوز الحالة الطبيعيّة ( للإنسان), خصوصاً إذا كانت ( الحالة الطبيعية
للإنسانِ) محجوبةً عن النعمة الأصلية, فإنه ( لهذا السبب) عددٌ قليلٌ هو عدد
المخلّصين".
إذاً, أزيلوا العُصابَة من أعينكم التي تُعميكم بحب الذات, والتي
تلقيكم محجوبين عن الحقيقة الجليّة معطيةً لكم أفكاراً كاذبةً في ما يخصُّ عدالة
الله," أيها الآبُ الحقّ, العالم لم يَعرفكَ", قال ربنا يسوع المسيح.
فهو لم يقُل " أيها الآب القدير, الآب الأكثر خيراً ورحمةً". لقد
قال" أيها الآب الحقُّ", بحيث نفهم أن من كل صفات الله, لا شيء فيها
معروفٌ بأقلِّ من عدالته, لأن الناس ترفض أن تؤمن بالذي تخاف من أن تجتازه
وتحتمله. لذلك, أزيلوا العُصابةَ التي تغطي عيونكم وقولوا بدموع ٍ: ياللأسف! العدد
الأكبر من الكاثوليك, العدد الأكبر من أولئك الذين يحيونَ على الأرض, ربما حتى من
هؤلاء الذين هم في هذه الإجتماع في الكنيسة, سوف يدانونَ إلى جهنّم! ما الموضوع الذي
عساهُ أن يكون أكثر أهلاً لدموعكم؟
كان الملك زركس, واقفاً على تلةٍ وناظراً في جيشه المؤلف من مائة ألف
جنديّ أثناء اصطفافه استعداداً للمعركة, ومعتبراً أنه من كل عددهم لن يبقى جندياً
واحداً منهم حيّاً في مئة سنةٍ آتية, لم يكن باستطاعتهِ أن يُمسكَ عن البكاء. هل
لنا سبباً أكبر من هذا لنبكي مفكرين بأن من بين الكثير من الكاثوليك, هناك العدد
الأكبر منهم سيسقط في جهنم؟
ألا يجب لهذا التفكير أن يجعل عيوننا تذرفُ دموعاً كالأنهار, أو على
الأقل تجعل في قلوبنا شعوراً بالشفقة قد شعرَهُ أخٌ أوغسطينيّ هو فان ماسيليوس
الدومينيكيّ؟ عندما كان يوماً متأملاً في العذابات الأبديّة, أراه الربُّ كم من
الأنفس ذاهبة إلى جهنم في تلك اللحظة( أي لحظة تأمله), وأراهُ أيضاً الطريقُ
الواسع الذي عليه إثنانِ وعشرون ألفاً قد رُفِضوا من الله كانوا يتراكضونَ إلى
جهنم, يتصادمون الواحد بالأخر. خادم الله هذا صُعِقَ وانذهل لهذا المشهد الرؤيويّ
وصرخ هاتفاً " يا للهول, ما هذا العدد الهائل! ما هذا العدد! وهناك أكثر
وأكثر قادمون. يا يسوع! يا يسوع! ما هذا الجنون!" دعوني أردد مع إرميا النبيّ
" من الذي يعطيني ماءً لرأسي, وينبوعاً من الدموع لعينيَّ؟ حتى أبكي نهاراً
وليلاً على مذبحةِ إبنةِ شعبي".
أيتها الأنفسُ المسكينة! كيف
يمكن لك أن تركضي مسرعةً إلى جهنّم؟ من أجل الرحمة, توقفوا واسمعوا لي للحظة
واحدة! إما إن كنتم تفهمون ماذا يعني أن تخلصوا أو أن تُدانوا إلى جهنم الأبديّةِ
كلّها, وإما إن كنتم لا تفهمون ماذا يعني هذا. إذا كان بالرغم من فهمكم لمعنى
الخلاص والهلاك الأبديّين, لم تتخذوا قراراً في تغيير مسلككم اليوم, باعترافكم
إعترافاً جيّداً مع التوبة ودستم على العالم؛ وبكلمة, أن تعملوا بكل جُهدكم
لتكونوا معدودين مع العدد الأقلّ للذين قد خُلّصوا, أنا أقول لكم أنكم بدون إيمان.
أنتم معذورونَ أكثر إذا كنتم لا تفهمونَ هذا المعنى, لأنه بعد ذلك وجب القول فيكم
أنكم فاقدوا العقل والصواب. لتخلصوا إلى
الأبد, لتهلكوا إلى الأبد, وحتى لا تعملوا كل جهد لأجتناب واحدٍ منها ( أي الخلاص
والهلاك) واتخاذ الآخر, هو شيءٌ لا يُصدّق ولا يمكن تخيُّلَهُ.
5- جودةُ الله وخيره:
ربما لم تؤمنوا بعد بالحقيقة الرهيبة التي قد علّمتُكُم إيّاها. إذ
أنّ الأعظم والأعلى اعتباراً بين اللاهوتيين, والأعظم شهرةً بين آباء الكنيسة قد
كلّموكُم من خلالي. فكيف إذاً, تستطيعون التصديّ لعقائد مدعومةً بكثير من الأمثال
والأحداث والكلام الوارد في الكتاب المقدس؟ إذا بقيتم متردّدين على الرغم من هذا,
وإذا كان عقلكم يميل إلى الرأي المناهض, فهل اعتبار الكتاب المقدس ليس كافياً ليجعلكم ترتعدون خوفاً؟ أوّاه,
الكتب المقدسة تريكم كم أنتم غير مهتميّن لخلاصكم! في هذا الموضوع المهمّ, الإنسان
الذي يحُسّ سيُخبَطُ من أصغرشك في المجازفة التي يقوم بها بأكثرقوةً من أن تعطيه
الدليل على الخراب الكامل في شؤنٍ أخرى لم تتورّط بها النفس. واحدٌ من إخوتنا,
القديس غايلز, كان متعوداً على أن يقول دائماً بأنهُ إذا كان هناكَ رجلٌ واحدٌ فقط
في العالم كله سيهلك في جهنم, فسيعمل جاهداً ليكون له من المؤكد أنه ليس ذلك
الرجل. إذاً ماذا يجب علينا أن نفعل, نحن الذين نعلم أن العدد الأكبر ذاهبٌ إلى
جهنم, وليس فقط من بين الكاثوليك؟ ماذا يجب علينا أن نفعل؟ خذوا القرار لتنتسبوا
إلى العدد الأصغر من الذين قد خَلُصوا. تقولون: إذا أراد المسيح أن يهلكني, فلماذا
إذاً قد خلقني؟ أصمت, أيها اللسان المتسرّع! لم يخلق الله أي إنسانٍ ليهلكه؛ لكن
من هَلِكَ, قد هَلكَ لأنه أراد ذلك لنفسه. لذلك, سوف أجتهد الآن لأدافع عن جودةِ
إلهي وأُبرِّئَها من كل لوم: وهذا ما سيكون موضوع النقطة الثانية.
قبل أن نبدأ في هذا, دعونا نجمع على جهةٍ كلّ كتب وكلُّ هرطقات لوثر
وكالفين, وعلى الجهة الأخرى كتب وهرطقات البلاجيّين والنصف-البلاجيّين, ولنحرقها
كلها. البعضُ منها يُدمّر النعمة, والبعض الآخر الحريّة وكلها مملوءة بالأخطاء؛
إذاَ تعالوا لنلقيها في النار. كل الهالكين يحملون على جباههم نبؤة النبي أوسي
التي تقول: " دينونتَكَ تأتي منكَ", بحيث يتسنىّ لهم أن يفهموا أن من
كان مُداناً للهلاك, فهو مدانٌ بسبب خباثته ولأنه هو الذي أراد أن يهلك.
لنأخذ أولاً هاتين الحقيقتين اللتان لا تقبلان النفي كقاعدة:
[ اللهُ يريد أن يخلّص الناس كلهم] و [ الكلّ هم بحاجةٍ إلى نعمة الله].
والآن إذا أريتكم الله يريد أن يخلص كل الناس, وانه لأجل هذه الغاية قد أعطى نعمته
للكلّ كما أعطاهم أيضاً كل الوسائل الضرورية التي تؤهلهم لنيل هذا الهدف السامي,
وانتم ستُجبرونَ على الموافقة بأنَّ الهالك مهما كان ومن كان يجب أن يُنسِب هلاكه
لشرّهِ, بانّ العدد الأكبر من المسيحيين هم هالكين, وذلك لأنهم هم أرادوا الهلاك.
" هلاكُكَ يأتي منك؛ وعونُكَ هو فيّ أنا فقط".
6- الله يريد أن يخلّص الناس:
في مئةِ موقعٍ في الكتاب المقدس, الله يقول لنا أنه حقّاً يريد أن
يخلص الناس كلهم. " هل هي مشيئتي في الخاطيء أنه يجب أن يموت, وليست في أنه
يجب أن يهتدي ويتوب عن طُرُقِهِ ويحيا؟... أنا أحيا, قال الرب الإله. لم أشأ موت
الخاطيء. اهتدوا وتوبوا فتحيوا". عندما يرغب شخصٌ ما في شيء رغبةً كبيرة,
يقال عنه أنه يتمنى إلى الموت؛ وهذهِ مبالغة. لكن الله أراد ومازال يريد خلاصنا
كثيراً حتى أنه مات من أجل رغبته هذه, وكابد في خِضَمِّ الموت ليعطينا حياةً. هذه
المشيئة لخلاص كل الناس إذاً ليست مُتصنِّعَةً, وسطحيّةً, أو ظاهريّةٍ عند الله؛
بل هي مشيئةٌ حقيقيّة, فاعلة, وناتجة؛ لأنه يعطينا كل الوسائل والأكثر ملاءَمةً
لنخلص. لا يعطينا الله الوسائل التي لا تستطيع الحصول على الخلاص؛ بل يعطيناها
بمشيئةٍ خالصة, وبنيّةِ أنهّا تعطي الفاعليّة والأثر المنشود في الخلاص. أمّا إذا
كانت هذه الوسائل عاجزة عن إعطاء النتائج المنشودة, يُرينا نفسهُ مغتمًّا ومُساءً
إليه فيها. لقد أوصى حتىّ الهالكين بأستعمال الوسائل التي أعطاناها لكي يخلصوا؛
لقد حضّهم ليستعملوها؛ لقد أجبرهم حتى لأستعمالها؛ وإذا لم يفعلوا هذا فقد خطِئوا.
لذلك إذا هم عملوا بها فقد خَلُصوا.
وأكثر من ذلك, فلأنَّ الله يرى حتىّ أنّه ربما لن نستعملَ نعمتَهُ
بدون عونِه الإلهي, فقد أعطانا معوناتٍ أخرى؛ وإذا بقيت هذه المعونات في بعض
الأوقات غير فاعلةٍ أو مؤثرة, عندها يكون الخطأ خطأنا؛ لأنه مع هذه المعونات
نفسها, يمكن للإنسانٍ ما أن يسيء استعمالها ويهلِكَ معها, ولإنسانٍ آخر أن
يستعملها جيّداً فيخلص؛ ويمكن لإنسانٍ أن يخلص بوسائلَ أقلّ قوّةً وفاعليّة. نعم,
قد يحدثُ أن إنساناً يسيء استعمال نعمةٍ كبيرة وعظيمة فيهلك, وآخر يستعمل نعمة
أصغر بكثيرٍ ويخلص.
هتف القديس أوغسطينوس قائلاً: " لذلك, إذا أدار أحدهم ظهره
للعدالة الإلهية, فقد حُمِلَ لذلك بإرادته الحرّة, واُقتيدّ بشهواته, وخُدِع
بآقتناعاته الشخصيّة". لكن لأولئك الذين لا يفهمون اللاهوت, هذا هو صالحٌ
للغاية بحيث أنه عندما يرى الخاطيء مسرعاً إلى هلاكه, يسرعُ ساعياً وراءه, ويدعوه,
ويتوسّل إليه ويرافقهُ حتى إلى أبواب الجحيم؛ فما الذي لم يفعله الله ليهديه؟يُرسل
له إلهاماتٍ صالحة وأفكاراً مقدسة, لكنه إن لم يستفد منها, يصبح الله غاضباً
وساخطاً منه ويتعقّبه. فهل يضربُه الله؟ كلاّ. يضرب الله في الهواء ويغفر له. لكن
الخاطيء هذا لم يهتدِ بعد. فيرسل الله له مرضاً مميتاً. وهذا بالتأكيد له باكمله.
كلا, يا إخوتي, فالله يشفيه؛ لكن الخاطيء صلبُ الرأي في الشر, أما الله فبرحمته
الإلهيّة يتّخذ طريقةً أخرى ليهديه؛ فيعطيه سنةً أُخرى, وعندما تنتهي تلك السنة,
يمنحهُ التي بعدها أيضاً. ولكن إذا أصرّ الخاطيء أن يلقي بنفسه في جهنم بالرغم من
كل ذلك, ماذا يمكنُ لله أن يفعلهُ؟ هل يتخلىّ عنه؟ كلا. يأخذه من يده؛ وفي الوقت
الذي فيه للخاطيء قدماً في جهنم وقدماً خارجها, يبقى الله كارزاً له, فهو يتوسّل
إليه ألاّ يُسيء استعمال نعمته. والآن أسألكم, إذا كان ذلك الرجل هالكاً, اليس في
الحقيقة أنه قد هلك لرفضه لمشيئة الله وبسبب أنه أراد أن يكون هالكاً؟ تعالوا
وأسألوني أنا الآن: إذا أراد الله أن يهلكني, فلماذا خلقني إذاً؟
أيها الخاطيء العاقّ, تعلَّم اليوم انك إذا كنت هالكاً, فليس الله هو
المَلوم, بل أنتَ ومشيئتك انت. لتقنع نفسك في هذا, إنزل إلى أعماق الجحيم, هناك
ساُحضُرُ لك نفساً من أنفس أولئك الهالكين البؤساء المحترقة في جهنم, بحيث يشرح لك
هذه الحقيقة. وها هنا واحدةٌ منها الآن: "- قل لي, من أنت؟
* أنا عابدُ أوثانٍ مسكين, وُلِدت في أرضٍ مجهولة؛ لم أسمع قطٌّ
بالسماء أو بجهنّم, ولا بما أتألمّ به الآن.
- بائسٌ مسكين! أغرب عن وجهي, أنت لست من الذين أبحثُ عنهم."
وواحدٌ آخر قد أتى؛ ها هو هنا:
" – من انت؟
* أنا مُنشقٌّ من بقية قبيلة الطرطاريين؛ كنت دوماً أعيش في حالة غير
حضاريّة, ونادراً ما كنت أعلم أن الله موجود أو أن هناك إلهاً.
- أنت لست من أريد؛ عُدْ إلى جهنم".
وهناك آخر أيضاً:
" – ومن أنت أيضاً؟
* أنا مُهرطقٌ مسكين من الشمال. لقد وُلِدتُ تحت القطب الشمالي ولم
أرَ قطٌّ لا نور الشمس ولا نور الإيمان أيضاً.
- إنه ليس أنت ما أبحث عنه أيضاً, عُدْ إلى الجحيم".
إخوتي, إن قلبي يغدو منكسراً على مرأى هؤلاء البؤساء الذين لم يعرفوا
حتى الإيمانِ الحقيقيّ بين الهالكين. ومع ذلك, إعلموا أن حكم الدينونة قد نزل
عليهم وقد قيل لهم, " دينونتكَ جاءت منك". لقد هلكوا لأنهم أرادوا أن
يكونوا من الهالكين. لقد نالوا من الله إسعافاتٍ كثيرة ليخلصوا! ولا نعرف ماذا
كانت تلك الإسعافات, لكنهم يعرفونها تماماً, والآن يصرخون, " أيها الرب أنت
عادلٌ... وحُكمُكَ حقٌ وعدل".
إخوتي, يجب أن تعلموا أنّ أقدمَ العقائد هي القانون الإلهي أو قوانين
الله, وأننا كلُّنا نحملها مكتوبةً في قلوبنا؛ وأننا نستطيع تعلُّمَها بدون مُعلم,
وأنها كافيةٌ لنا لنأخذ منها نوراً عقلياً يؤهّلنا لأن نعلم كل وصايا ذلك القانون.
لهذا السبب يتخفىّ الناس وحتى البرابرة
عندما يقترفون الخطيئة, لأنهم قد علموا أنهم كانوا يرتكبونَ خطأً؛ وهم هالكون
لأنهم لم يُراعوا القانونَ الطبيعيّ المكتوب في ضمائرهم: لأنهم لو راعوه, لعمل
الله معجزةً لهم وخلصهم بدلاً من أن يهلكوا؛ ولأرسل لهم من يعلّمهم, ولأرسل أيضاً
لهم إسعافاتٍ أُخرى, التي بها أيضاً قد جعلوا أنفُسَهم غير مستحقين بالحياة التي
يحيوها امتثالاَ لإلهامات ضمائرهم, التي لم تفشل يوماً في إنذارهم بالخير الذي يجب
أن يفعلوه والشر الذي ألاّ يقترفوه. إذاً هو ضميرُهم الذي سيتّهمُهُم أمام محكمة
الله, والذي يُخبرهُم على الدوام والثبات في جهنم مايلي: " هلاكك يأتي
منك". سوف لا يعلمون بماذا يجيبون وسوف يكونونَ مُجبرين على الأعتراف أنهم
مستحقون لهذا الهلاك. والآن إذا كان هؤلاء الخائنين لضمائرهم لا عُذرَ لهم, هل
هناكَ أيًّ عذرٍ يوجد للكاثوليكيّ الذي يملك الأسرار المقدسة الكثيرة, والعظات
الكثيرة, ومعوناتٍ كثيرةٍ تحت تصرُّفه؟ كيف سيجرؤ ويقول: " إذا كان الله
مزمعٌ ليهلِكني, فلماذا إذاً قد خلقني؟ " , كيف سيجرؤ ويتكلم بهذه الطريقة,
في الوقت الذي اعطاه الله فيه كثيراً من المعونات ليخلُص؟
لننتهي إذاً من تشويش
الله بهذه الأفكار.
- أنتم الذين تتعذبونَ في هاوية الجحيم, أجيبوني! هل هناك أيٌّ من
الكاثوليك بينكم؟
* بالتأكيد هنا كاثوليكيّون.
- كم عددهم؟ دعوا واحداً منهم يأتي إلى هاهنا!
* هذا غيرُ ممكن, إنهم بعيدونَ كثيراً في الأسفل, ولنخرجهم من الأعماق
السفلي وجب علينا أن نقلب كل جهنّم رأساً على عقب؛ إنّه من الأسهل علينا أن نوقفَ
واحداً منهم أثناء سقوطه في جهنم.
إذاً, أنا أُكلّمكُم أنتم الذين يحيون الآن في عادةِ الخطيئة المميتة,
في الكراهية والبغض, في وحلِ رذيلة الزنى, والذين يقتربون أكثر من جهنم كل يوم.
قِفْ, وآستَدِرْ إلى الخلف؛ إنه يسوع الذي يناديك والذي بجروحه, كالأصوات البليغة
في الكلام, يصْرخُ إليك قائلاً: " يا بنيّ, إذا كنتَ هالكاً, لكَ أن تلومَ
نفسكَ فقط: ’هلاككَ ياتي منكَ‘ . إرفع عينيكَ وسترى كل النَِعم التي أغنيتك بها لأؤمِّنَ لك الخلاص
الأبديّ. كنت قادراً أن أجعلكَ تولدُ في البريّة من البرابرة؛ وهذا ما فعلتُه
لآخرينَ كُثُر, لكنني جعلتك تولد في
الإيمان الكاثوليكيّ؛ وجعلتك تتربىّ بين يديّ أبٍ صالح, وأمٍّ ممتازة, مع أطهر
التعاليم والتعليمات. لكنك إذا هلكت بالرغم من كلّ هذا, فخطيئة من تكون خطيئتك؟
أنها خطيئتك انت يا بنيّ, خطيئتك أنت: ’ هلاكك يأتي منك ‘. أنا قادرٌ أن أرميكَ في
جهنم لأول خطيئةٍ مميتةٍ ارتكبتَها, بدون ان أنتظر خطيئةً ثانيةً لترتكبها: لقد
فعلتُ هذا لكثيرين آخرين, لكننّي كنتُ صبوراً معكَ, لقد اُنتظرت من أجلكَ لسنين
كثيرة. وأنا مازلتُ مُنتظراً لك في سرّ التوبة. وإذا كنتَ هالكاً بالرغم من كلِّ
هذا, فخطأ من يكون هذا؟ خطأكَ أنت يا بنيّ, خطأكَ أنت: " هلاككَ يأتي
منك". أنت تعلمُ كم من الناس ماتوا أمام عينيك وكانوا هالكين: كان ذلك
إنذاراً لك. أنت تعلمُ كم من الآخرين أَعدتهم إلى الطريق القويم لأُعطيكَ فيهم
مثلاً صالحاً. هل تذكر ما قاله لك ذلك
الكاهن الممتاز؟ أنا هو الذي دفعهُ ليقول لكَ ذلك. ألم يفرضُ عليك أن تغيّرَ مجرى
حياتك, لتتمّم إعترافاً صحيحاً؟ أنا هو الذي ألهمه لذلك. أتذكرّ تلك العظة التي
دخلت قلبك وضميركَ؟ أنا هو الذي اقتادك إلى هناك لتسمعها. وما الذي حدث بينك وبيني
في خفايا قلبك,... ذلك ما لن تنساه أبداً. تلك الإلهامات الداخليّة, والمعرفة
الواضحة, وألمُ ضميركَ الثابت, هل تجرؤ أن تنكرها؟ كل تلك كانت معوناتٍ كثيرةٍ من
نعمتي, لأنني أردت أن أخلصك. لقد رفضت أن أعطيهم لكثيرٍ من الناس, لكنني أعطيتهم
لك لأنني أحببتكَ بغضاضةٍ ورقة. يا بنيّ, يا بنيّ, لو أنني تكلمتُ بهذه الرقة
لأولئك الناس كما أكلمك اليوم, لكان الكثير منهم قد عادوا إلى طريق الحق! وأنت...
تدير ظهركَ لي. إسمع لما سأقوله لك, لأن هذه الكلمات التي سأقول لك ستكون الأخيرة:
لقد كلفتني دمي؛ إذا كنت تريد الهلاك بالرغم من الدم الذي أهرقته من أجلك, لا
تلومني, لك نفسكَ وحدها لتتّهم, وفي الأبديّة كلّها لا تنسى إذا هلكتَ بالرغم مني,
أنك قد هلكت لأنك انت أردت الهلاك: ’ هلاككَ ياتي منكَ‘ ".
يا يسوعي الصالح, الحجارة نفسها تنغلق على مسمع هذه الكلمات الحنونة,
وتعابير حنانك وحبك. هل ها هنا من أحدٍ يريدُ أن يهلك, مع وجود الكثير من النعم
والمعونة؟ إذا كان هناكَ أحدٌ, دعوه يسمع لي, ودعوه بعد ذلك ليقاومَ كلامي إذا
استطاع.
لقد أخبرنا بارونيوس أن بعد
اٌرتداد الشائن لجوليان المرتدّ, قد حمل في قلبه كُرهاً عظيماً لسر العماد المقدس
ذلك اليوم وتلك الليلة, حتى أنه راح يطلبُ طريقةً يمحيَ بها سرَّ عماده. ولهذا
الغرض استحمَّ بدماء التيوس التي حُضِّرت له فغطس فيها مستحمّا, وقد أراد هذه
الدماء النجسة التي أُخذت من ذبائح التيوس التي قُدِّست وقُدَّمت للإله فينوس
ليمحي بها سرعماده من نفسه بالكامل. تصرُّفٌ كهذا يبدو لكم بغيضاً, لكن لو كان
لخطة جوليان أن تنجح, لكان من المؤكد أنه سيتعذبُ أقلّ بكثيرٍ في جهنم, مما يتعذبه
وهو حاملٌ للسرّ.
أيها الخطأة, النصيحة التي أريد أن أعطيكم إياها ستبدو غريبة لكم بلا
شك؛ لكنكم إذا فهمتموها جيّداً, فستكون, على العكس, مُلهَمَةً تجاهكم برقّة الرأفة
والحنان. أتوسّلُ إليكم جاثياً على ركبتيّ, باسم دم المسيح وباسم قلب مريم, غيّروا
حياتكم, عودوا إلى الطريق التي تؤدي إلى السماء, واعملوا ما بوسعكم لتنتموا إلى
العدد الصغير المُخلَّص. إذا كنتم, بدلاً من هذا, تريدون أن تكملوا سيركم على
الطريق التي تؤدّي إلى جهنم, فعلى الأقل جِدوا الطريقة التي تمحونَ بها سرّ
عمادكم. الويل لكم إذا أخذتم الإسمَ القدوّس ليسوع المسيح والصفة المسيحيّة
المقدسة محفورةٌ في أنفسكم إلى جهنم! فعذابكم سيكون الأعظم على الإطلاق. إذا
افعلوا ما أنصحكم به أن تفعلوه: إذا كنتم لا تريدون أن ترتدوا أو تتوبوا, إذهبوا
في اليوم هذا وأطلبوا من راعي كنيستكم أن يمحو أسماءكم من سجلّ العمادات, بحيث لا
يبقى لكم فيه أيّ ذكرٍ على أنكم كنتم مسيحيين؛ توسلوا إلى ملاككم الحارس ليمحو من
كتاب نعمِهِ كل الإلهامات والمعونات التي أعطاها لكم بأمرٍ من الله, لأنه ويلٌ لكم
إذا تذكّرهم الله يوم دينونتكم! قولوا للرب أن يستردّ منكم إيمانه ومعموديته وكل
أسراره المقدسة.
هل أصابكم الرعب عند التفكير بهذا؟ حسناً إذاً, أرموا بأنفسكم عند
قدمي يسوع المسيح وقولوا له, بكثيرٍ من الدموع وبقلب منسحق:
" ربي وإلهي, أعترف لك أنني حتى الآن لم أحيا كمسيحيّ. أنا لا
أستحقُّ لأكون في عداد مختاريك. لقد عرفت جيداً أنني مستحقٌ للهلاك في جهنّم؛
لكنَّ رحمتكَ الإلهيّةِ عظيمةٌ جدّاً, وملئي ثقةً بنعمتك, أقول لك أنني أريدُ أن
أخلّص نفسي, حتى ولو كان عليّ أن أُضحّي بثروتي, وبعزّي, وبكرامتي, وبحياتي نفسها,
طالما أنني سأخلص. واذا بقيتُ غيرَ أمين لك حتى الآن, فأنا الآن أتوبُ, وأستنكرُ,
وأبغضُ عدم أمانتي لك, وأسألك بتواضعٍ عميقٍ وانسحاقٍ كامل لتغفر لي خيانتي لك.
سامحني, يا يسوع الصالح, وقوّني أيضاً بحيث أنني أخلُص.أنا لا أسألكَ من أجل
الغنى, ولا الشرف الرفيع أو الإزدهار في العزّ والمجد؛ أنا أسألكَ من أجل شيءٍ
واحد, وهو أن تخلّصَ نفسي. آمين".
وأنت يا يسوع! ماذا تقول؟ يا أيها الراعي الصالح, أنظر الى الخروف
الضالّ الذي عادَ إليك؛ عانق هذا الخاطيء التائب, بارك تنهُّداته ودموعه, أو
بالأحرى بارك هذا الشعب الذي أصبح مستعدَاً والذي لم يطلب شيئاً إلاّ خلاصه.
إخوتي, عند قدمي الرب, دعونا نطالبهُ بأننا نريد خلاص أنفسنا, مهما بلغ الثمن.
لنقول له كلنا بعيونٍ دامعة, " يا يسوع الصالح, أنا أريد أن أخلّص
نفسي", يا لكِ من دموعٍ مباركة, و يا لك من تنهداتٍ مقدسةٍ عنده!
7- الخاتمة:
إخوتي, أريد أن ارسلكم إلى بيوتكم اليوم مرتاحين. بحيث أنكم إذا
سألتموني عن شعوري حول عدد المُخلّصين, فهذا شعوري: سواء كان عدد المُخلصين كثيراً
أم قليلاً, أقول أنّ كلُّ من أراد أن يخلص, سيخلص؛ وان لا أحدَ يهلك إذا أراد أن
لا يهلك. وإذا كانت الحقيقة أن القليل سيخلص, ذلك لأنه القليل فقط يحيا بالنعمة.
فما تبقّى لنا إلاّ لنقارن بين هذين الرأيين اللذين سبق وعرضناهما:
الأول يُعلن أن العدد الأكبر من الكاثوليك مدانون للهلاك؛ والثاني
يُعلنُ العكس, فيدّعي انّ العدد الأكبر من الكاثوليك مُخلصون. تخيّلوا ملاكاً قد
أُرسِلَ من الله ليؤكّد الرأي الأول, وآتياً ليقولَ لكم أنه ليس فقط معظمُ
الكاثوليكييّن مُدانيين للهلاك, بل أيضاً كلُّ المجتمعين ههنا والحاضرين الآن,
واحدٌ فقط سيخلُص. إذا أطعتم وصايا الله, إذا أبغضتم فسادَ وغشَّ هذا العالم, إذا
عانقتم صليب يسوع المسيح بروح التوبة, ستكونون ذلك الواحد فقط الذي يخلص. والآن
تخيلوا أن نفس الملاك قد عاد إليكم مؤكدّاً الرأي الثاني. ويقول لكم أنه ليس فقط
الجزء الأكبر من الكاثوليك هم مُخلّصين, بل من الحاضرين ههنا, واحدٌ فقط سيهلك وكل
الباقين سيخلصون. إذا كنتم بعد ذلك تكمّلون طريقكم في الربح الفاحش, والإنتقام
والثأر, وأعمال الجريمة, والزنى والفسق, عندها ستكونون ذلك الواحد فقط الذي سيهلك.
ما فائدةُ أن نعلم ما إذا المخلصون هم كُثُرٌ أو قلائل؟ القديس بطرس
قال لنا, " إجتهدوا بالأعمال الصالحة ليكون اختياركم مؤكّداً". عندما
سألت أختُ القديس توما الأكوينيّ أخاها ماذا يجب عليها أن تفعل لتذهب إلى السماء,
قال لها: " ستخلصين إذا أردتِ ذلك". أقول لكم نفس القول, وههنا الدليل
على تصريحي. ما من أحدٌ قد هَلِكَ إلاّ لأنه اقترف خطيئةً مميتة: هذا ما يقوله
الإيمان. وما من أحدٍ يقترف خطيئةً مميتة
إلاّ لأنّه أراد ذلك: وهذا ما هو استنتاج اللاهوت الذي لا يُكَذَّب. لذلك
لا أحد يذهب إلى جهنّم إلا إذا أراد ذلك؛ النتيجة واضحة. هل هذا غيرُ كافٍ
ليريحكم؟ أبكوا على الخطايا التي مضت, إعترفوا اعترافاً تائباً, لا تخطئوا بعد في
المستقبل, وكلّكم ستخلصون. ماذا يعذّب نفسك من بعد؟ لأنه من المؤكّد انه يجبُ أن
تقترف خطيئةً مميتة لتذهب إلى جهنّم, وأنه لتقترفَ خطيئةً مميتة يجبُ أن تريدها,
وأنه بالنتيجة لا أحد يذهبَ إلى جهنَّم إلاّ إذا أراد ذلك. هذا لم يكن فقط رأياً,
بل حقيقةً مريحةً لا أحد يستطيع نكرانها؛ لعلّ الله يعطيكم لأن تفهمونها, ولعلّه
أيضاً يبارككم. آمين
انتهت الوعظة
8- تعليق:
في الشروط الأولى فبما يخصُّ تمييز الأرواح, برهن القديس أغناطيوس إنه
من النموذجيّ أن يُطمئِن الروح الشرير الخطأة. لذلك, يجب علينا أن نعظَ دوماً
وبثباتٍ وأن نرفع روح الثقة والرجاء في رحمة الرب وغفرانه اللامتناهيين, لأن
الإهتداء سهلٌ ونعَمَهُ مطلقةُ القوة. لكن علينا أيضاً أن نتذكر أن " الله لا
يُسخرُ منه", وأن الذي يحيا مُتعّوداً على حالة الخطيئة المميتة هو على طريق
الهلاكِ الأبديّ.
هناكَ عجائبُ اللحظاتِ الأخيرة, هذا إذا لم نجادل فيها أنها لسير
الأمور العامة, نحن مُجبرون لأن نُقرّ بأنه للأغلبيّة من الذين يحيونَ في حال
الخطيئةِ المميتة, عدم التوبة الأخيرية في النهاية هي مصيرهم الأخيريّ المحتمل.
كانت هذه عظة القديس ليوناردو دو بورت موريس قد أوعِظَ بها في أيام
انتخاب البابا بندِكتوس الرابع عشر سنة
1740 .
خادم المسيح
فريد عبد الاحد منصور
822010