ختامية مهرجان مار كيوركيس ديانا الثقافي والرياضي بنسخته العاشرة      دير "مار قرياقس": الإرث السرياني الممتد لـ 1600 عام في باتمان – تركيا      بعد عقود من الغياب، البطريرك نونا يترأس قداسًا تاريخيًا في دير الربّان هرمزد      رئيس الديوان يقود تحركاً لتوفير منح دراسية لأبناء المكونات في الجامعة الأمريكية      عمانوئيل حنُّو يخوض انتخابات بلدية سودرتاليا عن الحزب الديمقراطي المسيحي      المدارس المسيحيّة في سوريا… بين إنصاف العائلات وضمان استمرار التعليم وجودته      مهرجان الطعام الآشوري في "مورتون غروف" يحتفي بالثقافة والموسيقى والتراث      البطريرك نونا يفتتح لقاء الكهنة الكلدان في العراق لهذا العام: لسنا نبحث عن أفكار جديدة للخدمة بقدر ما نريد العودة إلى ينابيعها      القامشلي في مئويّتها الأولى... الشُعلة المسيحيّة لا تنطفئ      كيف وصلت البُشرى السارّة إلى أربيل وإقليم حدياب؟      ثورة في عالم الفلك.. تلسكوب "رومان" يحصل على الضوء الأخضر النهائي للانطلاق      انبعاثات الكبريت تحاصر بغداد.. مرصد بيئي يحذر من تزايد الأزمات التنفسية      بمشاركة (58) فارساً ....برطلة تستضيف أولى بطولات سباق السرعة للفرسان في نينوى      أربيل تنشئ محطة لمعالجة 840 ألف متر مكعب من مياه الصرف يومياً      العراق يعرض النفط خارج مضيق هرمز للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب      ترامب يعلن "أكبر صفقة نفط في التاريخ" مع فنزويلا.. أكثر من 65 مليار برميل      5 حقائق عن البابا أوربان الرابع      جراحو أعصاب في لندن يجرون أول عملية ناجحة في العالم لاستئصال ورم دماغي بمساعدة الذكاء الاصطناعي      قرعة «الأبطال».. باريس يواجه برشلونة.. وأرسنال والريال في سيناريو معاد      علماء آثار يكتشفون موقع دفن أثري، ربما يعود للمسيح، أسفل كنيسة القيامة
| مشاهدات : 3618 | مشاركات: 0 | 2024-04-20 08:29:57 |

إلينورا

نشوان عزيز عمانوئيل

 

 

قـــصة قصيرة

 

هذه القصة غير حقيقية وما هي إلا صدى في فضاء خالٍ، وكل ما فيها مجرد خيوط متشابكة نسجها الخيال، لا تلتقط شيئًا من الواقع سوى انعكاسات مشوهة في زمن غير حقيقي وهي لا تنتمي إلى الواقع، بل تقيم في عالم بلا ملامح، حيث كل ما يحدث هو مجرد هلوسة خيال مفرط، والأحداث ليست إلا ظلالًا يحركها قلم الكاتب.

 

             إلينورا

 سيأتي ذلك اليوم الذي سوف تبحث فيه عن معنى لحياتك في عالم يبدو أنه بدأ يفقد معانيه... كذلك الحال كان مع إلينورا، ذلك الكيان اللامتناهي في تجلياته، المتقلب بين الأبعاد كظل يختبئ بين الشروخ الزمنية. كانت كل لحظة تعيشها بمثابة رحلة بحث عن ذاتها في متاهات لا تنتهي. 

إنها تبحث عن ملاذ في زمن لم يعد يعترف بالملاذات

وهي ، بكل ما تحمله من تناقضات، من طفولة مفقودة إلى نضج مُفتعل، كانت كشظايا زجاج ملون تحاول جاهدة ترتيب نفسها لتصبح لوحة فنية متكاملة.. تحتاج لمن يمد يدها في هذا الفراغ الساحق، لإعادة تركيب فسيفساء روحها المبعثرة.

كان ذلك منذ زمان قد مضى مثلما يتجمد الليل في ظهيرة لحظة من نار.. تلك الليلة، عندما وصل إلى معتقل وجودها، شقة تفوح منها رائحة القهوة والبخور، كأنما هي محاولة يائسة لاستدعاء الجمال في وسط الخراب، كان كل شيء يبدو كتمثيلية محكمة الإعداد. بدأ يساعدها بتركيب بعض الأجهزة الكهربائية ، وكأنه بذلك يحاول أن يجبر ما يمكن إصلاحه في عالمها الداخلي المتهالك.

طلبت منه جلب البيتزا، وكأنها بذلك تطلب منه جلب قطعة من الوجود المفقود في حياتها. في الطريق،تَذَكر أنه رأى في عينيها قصصًا من الألم والحنين، قصص تخفي وراءها عوالم من الأحلام المتهشمة.

عندما عاد، كانت إلينورا قد تغيرت بالكامل. لم تعد تلك الظلال الهائمة؛ بل تجسدت أمامه كمعلم من الأنوثة والجمال، كأنها تصرخ في صمت مطبق عن تحول جوهري في كيانها، تخبر العالم بأنها لم تعد تحتاج إلى أن تكون تحت رعاية أحد، بل أصبحت تطالب بحقها في الوجود كما هي، دون قيود..

تناولا العشاء وسط صمت ثقيل كان مثقلًا بالأسئلة التي لم تُطرح. ثم غلبه النعاس، ذلك الفرار العابر من واقع مبهم لم يعد يفهم معالمه. استسلم لغفوة، كمحاولة للهروب من الألم الذي يتسرب إلى روحه.

 استيقظ على شذا قبلة خفيفة، قبلة أيقظت فيه تيارات من الحيرة والشوق. لكن في لحظة من الصراع الداخلي، دفعها بعيدًا، متمردًا على استسلامه لما يعتبره ضعفًا، رافضًا أن ينحني أمام مشاعر قد تجرفه بعيدًا عن عزلته. 

حينها صرخت إلينورا وبكت، ثم بعنفوان أزاحته خارج دائرتها، كمن يمزق صفحة من دفتر ذكرياته. أيامٌ قليلة مرت قبل أن يصله صدى الحقيقة القاطعة، الألم الصمت الذي لا صوت له إلينورا لم تعد جزءاً من هذا العالم الدنيوي. 

ومن تلك اللحظة، صارت ذكرى صوتها نغمًا مستمرًا يطارده، كصدى أبدي يتردد في قاعة مظلمة، ينبش في كل زاوية من زوايا روحه، متتبعًا الأثر الذي تركته كل لحظة مرت بينهما، تلك اللحظات التي كانت تلمع كنجوم لم تعد موجودة في سمائه. 

كانت الأيام التي تلت تلك الحادثة تتشابه في قسوتها كأحجار على صدره، كل يوم يزيد العبء والشعور بالفقدان.

 العالم حوله استمر في دورانه اللامبالي، بينما كان هو محطمًا، مثل قارب تائه في وسط المحيط دون شراع.

 

كان يعيش حياته في أتوماتيكية مؤلمة، يذهب إلى عمله، يعود إلى منزله، والصمت يملأ فراغات وجوده. كان الصمت هو الرد الوحيد الذي يحصل عليه عندما يحاول النداء على إلينورا في عزلته. ولكن، في عمق ذلك الصمت، كان يشعر أحيانًا بحضورها، كأنها تحاول أن تواسيه من عالم آخر.

 

في ليالٍ كثيرة، خرج إلى الغابة حيث كان يسمع صوتها يناديه. كان يمشي بين الأشجار، يتوه في الظلام، يبحث عن صدى صوتها بين الأغصان وأوراق الشجر.. وفي كل مرة، كان يعود إلى منزله خالي الوفاض، يحمل معه فقط صدى ذكرياتهما المشتركة.

 

وفي إحدى تلك الليالي، بينما كان جالسًا وحيدًا تحت ضوء القمر الخافت، شعر بنوع من الاستسلام، كأنه تقبل أخيرًا فكرة أن إلينورا لم تعد جزءًا من هذا العالم. في تلك اللحظة، بدأ يتحدث إليها بصوت خافت، يحكي لها عن ألمه ووحدته والفراغ الذي خلفته وراءها.

 

لم يكن يتوقع أي رد، لكنه شعر بريح خفيفة تداعب وجهه، كأنها لمسة طيفية من إلينورا، تؤكد له أنها ما زالت معه بطريقة ما. بدأ يدرك أن الحب والذكريات لا يموتان حقًا، بل يتحولان إلى جزء لا يتجزأ من كياننا.

 

في تلك الليلة، تموجت الظلال حوله كأمواج بحر في عاصفة. بدأ بكتابة أسراره كأنه ينثر الرماد في الريح، معبرًا عن الصداقة كرقصة بين أرواح مفقودة، وعن الفقد كنسيم يمر بين الأشجار الواقفة صامتة. كل كلمة كانت ترتطم بالورق كقطرة ماء في كهف عميق، تردد صدى الجمال والألم اللذين ينسجان نسيج الوجود بألوان متعددة الأبعاد.

 

مع تتالي الأيام، تكاثفت آلامه إلى حروف، وتحورت حروفه إلى نصوص، حيث اخترع وسيلة ليحتفظ بإلينورا ضمن نبضه ووعيه. أدرك أنها لم تفارق الوجود تمامًا، بل تحولت إلى شريكة دائمة في الكون الذي ينسجه بألفاظه، عالم تعانق فيه المشاعر أزمانًا وأمكنة لا تنتهي. كل كلمة كانت صدى لصوتها، كل جملة كانت ظلالها تتمايل فيها، في رقصة مستمرة مع الفراغ، حيث الحب يتسلل خلسةً ليهزم الزمن والمسافات. 

 

في النهاية، تمكن من نسج وجوده حول فراغ لا يمكن ملؤه، مستسلمًا للحقيقة الساخرة أن الخسارات تصير عوالم صغيرة تسكننا، تصوغ منا أشخاصًا لا يمكنهم الهروب من ثقل وجودهم الجديد. وكل ليلة، تحت ستارة السماء المرصعة بالأضواء البعيدة، كان يستشعر، بنظراته المتثاقلة نحو الأفق الدامس، أن هناك عيونًا أخرى، في مكانٍ آخر، ترمقه بصمت، تتشارك معه العزلة المطلقة والحنين إلى ما لا يمكن استعادته.

 










h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.7034 ثانية