

عيد الدنح... عيد الإيمان، فالإيمان بالمسيح يسوع (الإنسان والإله معاً) كيف تكوّن؟ وكيف توصّلنا إليه؟ كيف والمسيح تفصلنا عنه ألفي سنة من التاريخ ونيف؟ هناك جواب واحد لا غير: إنه إيمان الرسل، لأننا إذا كنا نعرف المسيح وبه نؤمن فذلك إيمان بطرس وسائر الرسل كما أعلنوه كلامياً أو دوّنوه في الأناجيل الأربعة. فإن نحن أردنا أن نبني لنا قاعدة الإيمان بالمسيح، علينا أن نعرف كيف تكوّن إيمان الرسل أنفسهم، وبماذا آمنوا، ولماذا آمنوا.
ثلاثة أيام بعد موته المخزي على الصليب رأوه حياً من جديد، يظهر ويختفي كيفما يشاء، فهو إذاً حرٌّ كلياً وخالدٌ ومنيعٌ لا يُنال منه. ولما كان قد صُلب لأنه إدّعى البنوّة، تذكّروا أقواله واستنتجوا أن الله الذي أقامه قد أثبت حقيقة هذا الإدّعاء الذي لا مثيل له. فالمسيح إذاً هو حقاً ابن الله ومساوٍ له.
استنتاجٌ آخر فَرَضَ على الرسل المتذّكرين أقوال المعلّم، هو: أن المسيح إذا كان إلهاً فهو إلهٌ حتى قبل العنصرة والقيامة. ذلك أنه يستحيل على كائنٍ ما أن يصير إلهاً. فالإله ليس إلهاً بالصيرورة، الإله إلهٌ أصلاً، إن كان المسيح إلهاً فهو إله حتى قبل قيامته وصعوده.
لكن الرسل لم يؤمنوا بألوهية المسيح فقط، بل إلى ما كشفه لهم نور القيامة وهو أن المسيح طوال حياته تصرّف كإله إذ كان يكمل الشريعة الإلهية، ويكشف قراءة القلوب، ويتكلم كَمَن له سلطان، ويغفر الخطايا، ويردّ إلى التوبة الزواني والعشّارين، ويأمر الرياح باسمه فتطيعه، ويعيد إلى الحياة أمواتاً.
وعليه، إن كان يسوع الناصري القائم من الموت هو نفسه يسوع المصلوب، فإن يسوع إله، وهو كذلك منذ مولده وحتى منذ الحبل به في أحشاء القديسة مريم. هذه الحقيقة الأولى التي اتّضحت للرسل (وجود المسيح الإلهي في الزمن)، والحقيقة الثانية هو وجوده الإلهي قبل الزمن، قبل الحبل به، هل فعلاً كان يسوع موجوداً؟.
يسوع الإنسان، لا الإنسان، لا ينطلق في الوجود إلا بعد الحبل. ثم لو كان يسوع إنساناً قبل الحبل، لو كان له وجود إنساني قبل الــــ "|نَعَم" التي قالتها القديسة مريم للملاك، لماذا هو إنسان حقاً؟
غير أن ذلك المزمع أن يولَد من العذراء القديسة مريم ويحمل اسم يسوع كان موجوداً كإله، والإله لا بداية له وجودية. السبب ينبغي القول أن المولود من مريم القديسة كان كإله، موجوداً قبل الحبل به لأنه أقنوم الابن الأزلي، المولود من الآب "قبل كل الدهور"، "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله. والكلمة هو الله" و"الكلمة صار جسداً وسكن بيننا" (يو1:1-2، 14).
ويقول القديس مكسيموس المعترف:"مَن يدرك سرّ الصليب والقبر، يدرك سبب وجود الخلائق كلها. ومَن يطّلع على سر القيامة، يفهم لماذا رتّب الله كل شيء منذ البداية" وهذا ما يفسّره أحد الآباء بقوله:"إن الله لم يخلق العالم إلا لأنه كان مزمعاً أن يخلق الإنسان. وهو لم يخلق الإنسان إلا أن "الكلمة" كان مزمعاً أن يتجسد". وعليه، فإن التاريخ لم يكن إلا لظهور الرب "الرب الإله الكائن والذي كان والذي يأتي" (رؤ8:1).
فالمسيح هو تجلّي الله في التاريخ، لا من حيث كون التاريخ مسرحاً تجري عليه أحداث الخلاص، بل من حيث كون المسيح هو سيد التاريخ وهو الخمير الذي بقيامته يرفعه حتماً من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة.
إنه تاريخ البشر أجمعين وليس فقط تاريخ "الشعب المختار". وهذا الاسم الذي أطلقه يوحنا هو "اللوكس: الكلمة"، فالمسيح هو صورة الذي لا يُرى. فإن كان يسوع هو كلمة الله، وإن كان العالم عملُ يديه، فهذا يعني أن أشعة نوره تضيء على كل إنسان، وعملُ يديه يطال كل البشر، فهو كلمةٌ للبشر. كلمة الله هذا، هذا الذي صار "بشراً" ليحلّ بين البشر، والكلمة صار إنساناً ويحمل اسم يسوع ليعيش وضعنا البشري في كل شيء ما عدا الخطيئة. هذا ما آمن به الرسل، وهذا هو إيماننا. لذلك نعلن أن إيماننا هو في الدنح، عيد الحياة، عيد إيماننا بالمسيح إلهاً وإنساناً. آمين.