تفجير كنيسة مار إلياس.. رواية رسمية مفصّلة وأسئلة لا تُغلق بالاعترافات      ماذا نعرف عن أقدم الخطوط السريانيّة وأجملها؟      احتفال أحد البنات في كاتدرائية مار يوخنا المعمدان البطريركية      غبطة البطريرك يونان يحتفل بقداس أحد الموتى المؤمنين      اجتماع الآباء الكهنة مع شباب كنائس بعشيقة وبحزاني وميركي في اللقاء الأول في مجمع مار كوركيس الثقافي التعليمي في بعشيقة      المنظمة الاثورية الديمقراطية تحيي ذكرى نعوم فائق في غوتنبرغ      ممثل منظمة "عمل الشرق" (اوفر دوريان) في لبنان وسوريا والأردن يدعو لـ "يوم عالمي للمسيحيين في الشرق"      بوضع اليمين المباركة لقداسة البطريرك مار آوا الثالث، رسامة عدد من الشمامسة لكاتدرائيّة مار يوخنّا المعمدان البطريركيّة في عنكاوا      جمعية الكشاف السرياني العراقي تقيم دورة تأهيل القادة للجوال والرائدات – اليوم الثاني      مسيحيو وادي المسيحيين بين الاستنكار والتحذير من النتائج المستقبلية لقرارات الحكومة السورية في الوادي      تحصينات أمنية واستخباراتية غير مسبوقة حول مراكز احتجاز معتقلي "داعش" في العراق      إقليم كوردستان يشهد ارتفاعاً حاداً في الرسوم الجمركية على البضائع الإيرانية      ترمب: إذا استأنفت إيران برنامجها النووي سنهاجمها مجدداً      كريستيانو رونالدو يتحكم في مسيرة "عجوز البرتغال"      دراسة.. هكذا يرتبط تنويع التمارين الرياضية بتقليل خطر الوفاة      إيلون ماسك يعلن خطة لبناء "مدينتين" على القمر والمريخ      البابا لاوُن الرابع عشر: لنوجِّه نظرنا وصلاتنا إلى مريم العذراء كي تساعدنا لنكون ونبقى تلاميذ ابنها      كنائس الروم الأرثوذكس في هاتاي - تركيا تحيي ذكرى ضحايا زلزال 2023       البطريرك بيتسابالا يدعو إلى اتخاذ خطوات ملموسة في الأرض المقدسة من أجل إعادة بناء الثقة      تجار العراق من بغداد إلى البصرة يحتجون ضد رفع التعرفة الجمركية
| مشاهدات : 326 | مشاركات: 0 | 2026-02-09 07:58:57 |

قصة قصيرة: ...ضريبة على الحب وعلى الفلافل

أسعد عبدالله عبدعلي

 

 

في ذلك الصباح البغدادي الذي يغلي بالرطوبة والضجيج، كانت أمعائي تقود انقلاباً عسكرياً ضد وقاري وثباتي، وصراخ الجوع فيها يتردد كصدى في أزقة "الحيدرخانة", لم يكن أمامي سوى الرضوخ لسلطان الجوع، فاتجهتُ صوب عربة فلافل ابوعلي يغطيها غبار الشارع وبريق الأمل، وقلتُ لصاحبها بلهجة الواثق: "عمي.. لفة فلافل بالعمبة، وكثّر الزلاطة, بلكي نحرك همومنا".

نظر إليّ البائع بنظرةٍ تجمع بين العطف والشماتة، وقال وهو يرفع كفّيه كأنه يلقي خطبة عصماء: "يا عيوني، اللفة اليوم 'شبت نار', يا عزيزي الحكومة حطت "ضرايب" على التجار، والتاجر ذبّها براسنا، وإحنا ذبيناها براسك.. اللفة غلت يا أستاذ!". دفعتُ الثمن وأنا أشعر أنني لا أشتري أقراص حمص مقلية، بل أستثمر في سبائك ذهبية، والتهمتها بمرارة من يبتلع كرامته مع "العمبة" التي تقطر على قميصي.

 

قررتُ الهروب من حرارة الموقف صوب "شارع الرشيد"، ذلك الشارع الذي يختصر تاريخنا المكلوم. رفعتُ يدي لـ "تكتك" يترنح بين السيارات كأنه راقص باليه في حلبة مصارع,. حين وصلنا، صدمتني الأجرة التي تضاعفت بقدرة قادر.

"يا وليدي، شنهي القصة؟ الأجرة كانت بنص هذا السعر!"

أجابني السائق وهو يمسح عرقاً يمتزج بزيت المحرك: "يا أستاذ، الحكومة رفعت البنزين، والتكتك صار يصرف ذهب مو نفط.. إحنا 'مسيرين لا مخيرين'، والجيب صار مثل المنخل، ما يمسك شي".

 

نزلتُ أمشي بكسر خاطر، حتى وجدت صديقي "علاء بيدياف" هكذا نطلق عليه لكثرة قراءاته للكتب الالكترونية، ذلك الرجل الذي يحمل في عينيه حزن المخطوطات القديمة. سحبتُه من ياقة يأسه إلى "مقهى الأسطورة"، حيث الدخان يروي قصص العاطلين والحالمين. طلبتُ له استكان شاي هسى ان يرمِّم ما تبقى من أعصابه، وسألته: "ما بالك يا علاء؟ وجهك يقطع رزق الماشي والراجع!".

تنهد تنهيدة كادت تطفئ نار الشاي التي يغلي عليها، وقال بصوت مخنوق: "أبوها يا صديقي.. فسخ الخطوبة. قال لي بالحرف الواحد: 'عمي، بنتي مو ارخص من باقي البنات, يقول إن المهر الذي اتفقنا عليه صار 'عتيق', ولا يتماشى مع التضخم وقرارات الحكومة الحكيمة. المهر يجب أن يُضرب في اثنين، أو تذهب لتبحث عن ابنة حلال 'على قد فلوسك'".

ضحكتُ ضحكةً تشبه البكاء، وقلت له: "يا علاء، في بلدي، حتى نبضات القلب أصبحت تخضع لضريبة القيمة المضافة، والفقراء مثلي ومثلك لا يملكون سوى أن يحبوا في السر، ويجوعوا في العلن، وينتظروا رحمةً لا تمر عبر قرارات الحكومة".

 

وضعتُ يدي على كتف "علاء" المثقلة بخيبات العصر الرقمي وضريبة العاطفة، ونظرنا معاً إلى بخار الشاي وهو يتصاعد ليمتزج بدخان "النراجيل" في فضاء المقهى المتهالك، كأن أحلامنا هي الأخرى تتبخر وتستحيل دخاناً لا يُمسك. كان الصمت بيننا أبلغ من أي احتجاج، صمتٌ يختزل حكاية وطنٍ يركض فيه المواطن وراء رغيف الخبز، بينما يركض الرغيف وراء "سعر الصرف".

أدركتُ حينها أننا لسنا سوى أرقام في معادلة لا تقبل القسمة إلا على "الكبار"، وأن مشاعرنا وأمعاءنا وحتى ذكرياتنا في شارع الرشيد، باتت سلعاً تُعرض في مزاد السياسات المتقلبة. لم نعد نملك من أمرنا شيئاً سوى تلك الضحكة المجبولة بالمرارة، التي نطلقها في وجه الأزمات كلما اشتد الخناق، لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا على قيد الحياة، حتى وإن كانت حياة "بالدين".

 










أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.8272 ثانية