

شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية العراقية الأولى. وفتح مرحلة جديدة اتسمت باضطراب سياسي وأمني عميق ـ بعد ـ أن حققت الثورة سلسلة من الإصلاحات الوطنية والاجتماعية القيمة. يُعدّ أنقلاب 8 شباط 1963 أحد أكثر الأحداث دموية في تاريخ العراق ضمن سياقها السياسي، الداخلي والإقليمي، ليس فقط لأنه أنهى حكم عبد الكريم قاسم، بل لأنه شكّل بداية مرحلة جديدة من الصراعات الداخلية، العنف السياسي، والانقسامات التي ما تزال آثارها حاضرة حتى يومنا هذا. هذا الانقلاب المشؤوم لم يكن حدثا عابرا، بل كان انعكاسا لأزمة بنيوية عميقة في الدولة العراقية الناشئة، وترك داخل الساحة العراقية إرثا غير متوازن طويل الأمد من هشاشة المؤسسات وفقدان الثقة بين السلطة والمجتمع، فضلًا، عن توتر العلاقات مع بعض الدول الإقليمية وضعف الأطر المدنية القادرة على تحييد الخلافات وانعكاساتها على مستقبل العراق والشعب العراقي بما في ذلك مكانة الدولة وإدارة مؤسساتها.
في تموز 1958، أعلن العراق نفسه جمهوريةً جديدة، حامل وعود بالعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني في سياق إقليمي ودولي مضطرب، تميّز بانهيار أنظمة ملكية في المنطقة، وتصاعد حركات التحرر الوطني، واشتداد الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي. وسرعان ما بدأت الحكومة بتنفيذ إصلاحات مهمة، شملت الإصلاح الزراعي وتقليص النفوذ الأجنبي، تحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتوسيع دور الدولة في الاقتصاد، إضافة إلى خطوات في مجال التعليم والصحة والحقوق المدنية العامة بما في ذلك حرية الرأي والتعبير وحقوق المرأة والطفولة. لكن هذه التحولات لم تُرتق بإنشاء مؤسسات سياسية قوية ومستقرة. الجيش بقي اللاعب المركزي في السياسة، والحياة الحزبية والدستورية لم تنضج بعد، ما جعل الدولة عرضة للانقلابات والتدخلات العسكرية في إدارة الشأن العام.
اتسمت تجربة حكم عبد الكريم قاسم بالنزعة الوطنية والإصلاحية، لكنه اعتمد على مركزية السلطة، وأدار علاقاته مع القوى السياسية المتنوعة بشكل ضعيف ـ خصوصا ـ مع التيارات القومية واليسارية. ولم ترافق التحول الجمهوري عملية بناء مؤسسي متكاملة، إذ غابت الحياة الحزبية المنظمة ضمن إطار دستوري واضح، وتأجلت صياغة عقد اجتماعي جامع يحدد طبيعة النظام السياسي وآليات تداول السلطة.
فتصاعدت الصراعات السياسية، وتحولت الخلافات إلى صراعات وجودية، ما أضعف النظام وجعله عرضة للسقوط. كانت بيئة الحكم هشّة، بمزيج من النزعة الوطنية والإصلاحية من جهة، والمركزية الشديدة من جهة أخرى، وما زالت دروسها تعكس هشاشة القدرة على إدارة الاختلافات السياسية سلميا.
ما حدث في شباط لم يكن فقط إسقاط حاكم، بل إسقاط فرصة مبكرة لبناء دولة مدنية مستقرة. فقد دخل العراق بعدها في سلسلة من الانقلابات والتصفيات، وتحوّل الجيش من مؤسسة وطنية إلى لاعب سياسي دائم، بينما دُفعت الأحزاب والمجتمع إلى هامش الخوف أو الصمت. الأخطر من ذلك أن انقلاب 1963 أسّس لثقافة سياسية جديدة، ترى في الإقصاء والانتقام وسيلة للحكم، لا استثناءً. ثقافة ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة العراقية، وفي طبيعة العلاقة المرتبكة بين الدولة والمواطن.
إن استذكار انقلاب 8 شباط اليوم ليس استعادة للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم جذور المأزق العراقي: إذ أن دولة لم تُمنح الوقت ولا الأدوات لتبني مؤسساتها، واختُطفت مبكرا لصالح الصراع على السلطة. في 8 شباط 1963، نجح تحالف بين البعثيين والقوميين العرب في الإطاحة بحكم قاسم الوطني، مصحوبا بحملات اعتقال وتصفيات واسعة، ما غيّر قواعد اللعبة السياسية في العراق. بعد هذا الانقلاب، أصبح العنف أداة أساسية للوصول إلى السلطة، بينما غابت المؤسسات والحوار السياسي. ولم تتغير السلطة فحسب، بل تغيّرت طبيعة الدولة نفسها، وأصبح استخدام القوة أداة مشروعة لتسوية الخلافات السياسية ووسيلة لتغيير السلطة، وإضعاف الدولة القانونية، وتشويه العلاقة بين الحكومة والمجتمع. هذه التحولات تراكمت على مدى العقود التالية، وجعلت الدولة العراقية قوية أمنيا وضعيفة مؤسسيا. ومع سقوط النظام عام 2003، تجلّى هذا الإرث ـ بشكل واضح ـ في انهيار المؤسسات، تصاعد الهويات الفرعية، وصعوبة بناء دولة مركزية فعالة قادرة على حماية حقوق المواطنين ومصالح الدولة.
اليوم لا ينبغي أن يكون استذكار انقلاب 8 شباط 63 من باب الإدانة التاريخية فقط، بل من باب الفهم النقدي لمسار الدولة العراقية. فالعراق لم يعاني من نقص في الثورات أو التغييرات، بقدر ما عانى من غياب مشروع وطني جامع، ومؤسسات قادرة على حماية السياسة من العنف. ما زال العراقيون يعانون من نتائج هذه الدينامية التاريخية: ضعف الخدمات، فساد المؤسسات، والانقسامات الطائفية والسياسية التي تعيق التنمية والاستقرار. يعيش المواطن العراقي في حالة دائمة من القلق وعدم الثقة، فيما تتسارع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويظل الحل السياسي بعيدا عن الواقع المعيشي لمعظم العراقيين. وحيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التدخلات الخارجية، تبدو مراجعة تلك اللحظات التاريخية ضرورة فكرية وسياسية، لا من أجل اجترار الماضي، بل من أجل إدراك أن بناء الدولة لا يتم بالانقلابات ولا بالمحاصصات، بل بالتوافق، وسيادة القانون، والاعتراف بالتعدد بوصفه مصدر قوة لا تهديد.
من هنا، ربط الماضي بالحاضر ـ يكشف ـ أن المعاناة الاجتماعية والسياسية ليست مجرد نتيجة أحداث حديثة، بل تراكمت عبر عقود من الصراعات على السلطة التي بدأت ـ بالفعل ـ في 8 شباط 1963. فالأجيال الجديدة ورثت دولة هشّة، غيابا للحوكمة الرشيدة، وفقدانا للثقة بين المواطن والدولة، وهو ما يفسر لماذا ظل العراق يواجه صعوبات في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي حتى اليوم. يظهر ذلك بوضوح في فشل الجهود المتكررة لإصلاح النظام السياسي، ومعاناة المواطنين من البطالة ونقص الخدمات الأساسية، وغياب فرص المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار. المجتمع العراقي، الذي كان يوما يراهن على الدولة في حماية حقوقه وحرياته، أصبح يعيش في حالة من الإحباط المستمر، نتيجة تراكم الأزمات التاريخية والسياسية.
فهم أحداث 8 شباط 1963 ليس مجرد تمرين تاريخي، بل ضرورة لفهم جذور أزمة الدولة العراقية المعاصرة واستذكار الماضي لفهم الحاضر. العراق لم يعاني من نقص في الأدوات والخبرة، بل من غياب مشروع وطني جامع ومؤسسات مستقرة تحمي الاختلاف وتضمن تداول السلطة سلميا. إن استذكار هذه المحطة التاريخية يوضح سبب استمرار الانقسامات السياسية والاجتماعية، ويبيّن أن الحلول المستقبلية تتطلب إعادة بناء الدولة على أسس مؤسساتية وقانونية، وليس مجرد تغيير في الأشخاص أو الأحزاب.
إن إرث 8 شباط 1963 ما زال حاضرا في واقع العراق اليوم. من هشاشة المؤسسات إلى العنف السياسي المستمر، ومن فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع إلى الصراعات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى ما يبدو أن العراق يعيش نتائج قرارات وانقلابات الماضي في كل جانب من حياته. إنه درس العراق المستمر لفهم الأحداث بصورة حيادية، ووضعها ضمن سياقها التاريخي والداخلي والإقليمي. والفهم النقدي لهذه الأحداث التاريخية ليس مجرد استرجاع للماضي، بل خطوة أساسية لفهم تحديات الحاضر وبناء مستقبل أكثر استقرارا وعدالةً للمجتمع العراقي.