

في الـ31 من آذار لعام 2026، يستحضر الشعب الكوردي ومعه العديد من المهتمين بالشأنين السياسي والتاريخي، الذكرى 79 لاستشهاد القائد الكوردي قاضي محمد، رئيس أول كيان سياسي كوردستاني حديث، والمتمثل في جمهورية كوردستان (جمهورية مهاباد) التي أُعلنت عام 1946 في كوردستان إيران، واتخذت من مدينة مهاباد عاصمة لها.
نشأة قيادية ورؤية مبكرة:
وُلد قاضي محمد عام 1900 في مدينة مهاباد، ضمن عائلة ميسورة، ما أتاح له فرصة التزود بثقافة واسعة وتعليم رصين. وقد تميز بقراءة دقيقة للواقعين الاجتماعي والسياسي في المنطقة، إلى جانب تعمقه في علوم الشريعة الإسلامية والفقه، وإتقانه لعدة لغات، منها الفارسية، التركية، العربية، الفرنسية، الإنجليزية والروسية، فضلاً عن لغته الأم الكوردية.
جمع في شخصيته بين الكاريزما والتواضع، وبين الحكمة والشجاعة، ما جعله يحظى بثقة واحترام مختلف فئات المجتمع، ويؤمن إيماناً راسخاً بحقوق شعبه وضرورة الدفاع عنها ضمن الأطر المشروعة.
مسيرة سياسية منظمة:
انخرط قاضي محمد في العمل السياسي منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، حيث انضم إلى جمعية “خويبون” التي تأسست عام 1927، والتي شكلت إحدى أولى اللبنات في العمل القومي الكوردي المنظم.
وفي عام 1944، ساهم في تأسيس “جمعية الإحياء الكوردي”، قبل أن يتوج هذا المسار بتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1945، بالتعاون مع نخبة من القيادات الكوردية، في خطوة شكلت تحولاً نوعياً في العمل السياسي الكوردي المؤسسي.
إعلان جمهورية مهاباد، لحظة تاريخية فارقة:
في 22 كانون الثاني 1946، وفي ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، أُعلن عن قيام جمهورية مهاباد، وانتُخب قاضي محمد رئيساً لها.
شهدت تلك اللحظة حضور وفود كوردستانية من مختلف المناطق، وألقى الرئيس المنتخب خطاباً تاريخياً أمام الجماهير، رُفع خلاله لأول مرة العلم الكوردستاني بألوانه (الأحمر، الأصفر، الأخضر) في ساحة “چوار چرا”.
تميزت الجمهورية الفتية ببناء مؤسسات دولة حديثة:
كما شهدت تلك المرحلة تعاوناً عسكرياً مع الاتحاد السوفييتي، الذي ساهم في تدريب وتجهيز القوات الكوردية، فيما برز دور القائد الملا مصطفى البارزاني الذي مُنح رتبة جنرال تقديراً لخبرته ونضاله.
سقوط الجمهورية، تعقيدات الجغرافيا السياسية:
لم تستمر الجمهورية سوى 11 شهراً، حيث تداخلت المصالح الدولية بشكل حاسم في مصيرها. فقد أدى الضغط البريطاني والأمريكي إلى انسحاب الاتحاد السوفييتي من شمال إيران، ما ترك الجمهورية الناشئة في مواجهة مباشرة مع الجيش الإيراني المدعوم غربياً.
وبعد استعادة القوات الإيرانية لمدينة مهاباد، أصبحت الجمهورية في وضع بالغ التعقيد، حيث واجهت خيارين أحلاهما مرّ: المواجهة العسكرية أو تجنب كارثة إنسانية.
موقف أخلاقي ونهاية مأساوية:
في تلك اللحظات الحاسمة، رفض قاضي محمد خيار التصعيد العسكري، إدراكاً لما قد يترتب عليه من مجازر بحق المدنيين الكورد، مفضلاً تحمّل المسؤولية الشخصية.
ورغم عرض القائد الملا مصطفى البارزاني نقله إلى مكان آمن، اختار البقاء إلى جانب شعبه.
في 30 آذار 1947، تم اعتقاله، وأُحيل إلى محكمة عسكرية ميدانية افتقرت إلى أبسط معايير العدالة، حيث لم يُمنح حق الدفاع القانوني الكافي. وعلى إثر محاكمة صورية، صدر حكم الإعدام بحقه وبحق عدد من رفاقه.
نُفذ الحكم في ساحة “چوار چرا” بمدينة مهاباد، حيث أُعدم شنقاً. وكانت كلماته الأخيرة:
“عاشت الأمة الكوردية، عاش تحرير كوردستان.”
إرث مستمر ومعنى متجدد:
برحيل قاضي محمد، لم تنتهِ الفكرة التي ناضل من أجلها، بل انتقلت شعلة النضال إلى قيادات أخرى، وفي مقدمتهم الملا مصطفى البارزاني، واستمرت حية في وجدان الشعب الكوردي.
اليوم، وبعد مرور قرابة ثمانية عقود، لا تزال تجربة جمهورية مهاباد تمثل محطة مفصلية في التاريخ الكوردي الحديث، ودليلاً على السعي المشروع نحو الحرية، والهوية، وبناء كيان سياسي قائم على المؤسسات.
إن استذكار هذه الذكرى لا يقتصر على البعد التاريخي، بل يحمل أبعاداً إنسانية وسياسية عميقة، تؤكد على أهمية الحوار، والعدالة، واحترام حقوق الشعوب، ضمن إطار القانون الدولي والتفاهم الإقليمي.
كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة إمسام الدولية