

في وقت يمر فيه إقليم كوردستان بمرحلة سياسية حساسة، تتطلب تغليب لغة الحوار والتفاهم على حساب الخلافات الحزبية، خصوصًا مع تزايد التحديات الاقتصادية والسياسية، وحاجة المواطنين إلى مؤسسات فاعلة وحكومة قادرة على الاستجابة لمتطلباتهم. بدأ السيد صلاح الدين بهاء الدين، أمين عام الاتحاد الإسلامي الكوردستاني، سلسلة زيارات إلى الأحزاب الكوردستانية، كان آخرها يوم الأحد 24 مايس، حيث زار الرئيس مسعود بارزاني، بهدف طرح مبادرة لإنهاء الانسداد السياسي في الإقليم، وتفعيل البرلمان، وتشكيل حكومة جديدة.
هذه المبادرة، وفي ظل التجارب السابقة، ينظر البعض لها بحذر، خوفاً من أن تتحول إلى لقاءات بروتوكولية أو تفاهمات مؤقتة لا تعالج جذورالأزمة، خصوصاً مع تراكم الخيبات وتعدد الملفات العالقة بين الأطراف السياسية، لكنها تعد خطوة صحيحة تعكس ذهنية سليمة لإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية وقراءة المشهد بشكل صحيح والبحث عن حلول واقعية تنهي حالة التوتر والتعقيد، وتعيد تفعيل المؤسسات، وتنهي حالة التعطيل، من خلال فتح أبواب الحوار وزيارة الأحزاب ومحاولة تقريب وجهات النظر، وستبقی أفضل من استمرار القطيعة والتصعيد الإعلامي الذي لم يجلب لكوردستان سوى مزيد من الانقسام وإضعاف المواقف.
الرئيس بارزاني، الذي يمسك بغالبية الأوراق ويمتلك القدرة الأكبر علی التأثير في المشهد، ويملك النفوذ والحضور الجماهيري ومفاتيح القرار والرغبة الحقيقية في منع إستمرار الانسداد، يتحمل مسؤوليات أكبر من غيره في إنجاح المبادرة، ولكن التعقيدات السياسية لا تُحل فقط بالنوايا الحسنة، بل تحتاج إلى قرارات جريئة، لذلك لم يتعامل بعقلية الفائز الذي يفرض شروطه، بل بعقلية الشريك الذي يدرك أن استقرار كوردستان وتماسك جبهتها الداخلية أهم من المكاسب المرحلية.
ولكن في المقابل، فإن الأطراف الأخرى، مطالبة أيضاً بمراجعة حساباتها، لأن السياسة لا تُبنی فقط علی الاعتراض ورفع سقف الخطاب، بل علی القدرة في تقديم بدائل واقعية وإقناع الشارع بها.
أما السيد بهاء الدين الوسيط وصاحب المبادرة، مهما كانت نواياه إيجابية، يدرك مسبقاً أن قيادة مبادرة بهذا الحجم تضع رصيده السياسي والمعنوي على المحك، وأن النجاح سيُحسب له، كما أن الفشل سيترك أثره عليه، حتى لو كانت الأسباب أعمق وأكبر من قدرته وإمكاناته. كما يعلم بأنه قد دخل عمليًا إلى حقل مليء بالتعقيدات والحسابات المتراكمة، وقد يجد نفسه في مواجهة انتقادات من بعض الأطراف إذا تعثرت جهوده أو اصطدمت بجدار المصالح الحزبية. كما هو على يقين بأن نجاح أي حوار لا يقاس بعدد الاجتماعات والزيارات، بل بمدى القدرة على معالجة جذور الأزمة، واحترام الاستحقاقات، والالتزام بما يتم الاتفاق عليه، بعيدًا عن سياسة كسب الوقت أو تدوير الأزمات تحت عناوين براقة.
وأخيراً نقول : نجاح هذا التحرك، أي المبادرة، مرهون بمدى استعداد الأطراف المختلفة لتقديم تنازلات متبادلة، والابتعاد عن الحسابات الضيقة، لأن استمرار حالة الجمود لا يخدم أحدًا، بل يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر معالجة الملفات العالقة التي ينتظرها الشارع الكوردستاني منذ فترة طويلة. والسؤال الأهم في أي مبادرة سياسية ليس فقط كيف ننهي الانسداد، بل هل يتم تشخيص أسبابه الحقيقية بوضوح وشفافية ومن يقف خلفه، أم يجري تجاوز كل ما حدث تحت عنوان (فتح صفحة جديدة)؟ وكم من (صفحة جديدة) فُتحت في السابق، لكنها أُغلقت سريعًا عند أول اختبار للمصالح والنفوذ، وعادت معها الخلافات وتعطلت المؤسسات ودفع المواطن ثمن الاتفاقات المؤقتة والوعود غير المنفذة.