كثيراً ما نسمع في الخطاب الرسمي والإعلامي العراقي عبارات من نوع محاربة الفساد أو ملاحقة الفاسدين، وكأن الفساد حادثة عابرة أو خللاً طارئاً يمكن استئصاله بقرار إداري أو حملة تفتيشية، إن من يراقب المشهد العراقي منذ سنوات يدرك أن المسألة أعمق من ذلك بكثير فالفساد في العراق لم يعد استثناءً يخترق النظام من الخارج بل أصبح هو من النظام نفسه بمنطقه الداخلي وقواعده غير المكتوبة.
الفرق بين الفساد كاستثناء والفساد كنظام هو فرق جوهري، في الحالة الأولى تكون هناك مؤسسات سليمة تُخترق أحياناً من قبل أفراد فاسدين، ويكفي ضبط هؤلاء الأفراد لإصلاح الخلل.
أما في الحالة الثانية فإن الفساد يصبح هو الآلية التي تُدار بها الدولة فعلياً فالتعيينات والعقود والتراخيص وحتى بعض القرارات السيادية، تمر جميعها عبر شبكة من المصالح المتشابكة بين السياسي والإداري والمالي.
في هذا النموذج الثاني، لا يعود الفاسد فرداً شاذاً عن القاعدة بل يصبح الفرد النزيه هو الاستثناء الذي يُواجَه بالعزل أو التهميش أو حتى الترهيب، لأنه ببساطة يعطل عمل الشبكة، وهذا اخطر ما في الامر.
المحاصصة.. حاضنةٌ للفساد
لا يمكن فهم استفحال الفساد في العراق بمعزل عن نظام المحاصصة الذي تأسست عليه العملية السياسية بعد عام 2003، حين توزعت المناصب والمؤسسات كحصص بين القوى السياسية لا وفق الكفاءة بل وفق الحصة المستحقة، يتحول كل موقع وظيفي إلى مصدر ريع يجب أن يُستثمر خلال فترة توليه لأن لا ضمانة باستمراره، هذه الحسابات القصيرة الأمد تجعل من النهب المنظم سلوكاً عقلانياً من منظور من يمارسه وإن كان مدمراً على مستوى الدولة والمجتمع.
وهكذا تتحول المؤسسة العامة من فضاء لتقديم الخدمة إلى ساحة لتقاسم الموارد، ويصبح المواطن هو الطرف الخاسر الدائم في هذه المعادلة، سواء كان يبحث عن وظيفة أو معاملة رسمية أو خدمة صحية وتعليمية بسيطة.
حجر اساس الفساد.. الافلات من المحاسبة
لا يستقيم أي نظام فساد بنيوي من دون غطاء يحميه وهذا الغطاء يتمثل في ضعف أو تعطيل آليات المحاسبة، فحين تتحول الهيئات الرقابية إلى واجهات شكلية وحين تُستخدم القضايا القضائية كأداة تصفية حسابات سياسية بدل أن تكون أداة عدالة، يفقد المجتمع آخر خطوط الدفاع ضد نهب المال العام.
والأخطر من ذلك أن غياب المحاسبة الفعلية يرسل رسالة واضحة لكل من هو داخل المنظومة بأن النهب مضمون العواقب والنزاهة هي التي تحمل المخاطرة.
هل من مخرج؟
القول إن الفساد أصبح نظاماً لا يعني أنه قدر لا يمكن تجاوزه، لكنه يعني أن الحلول الجزئية - حملة هنا او إقالة هناك - لن تُحدث فرقاً حقيقياً ما لم تُعاد صياغة قواعد المنظومة نفسها:
- إصلاح حقيقي لآليات التعيين يقوم على الكفاءة لا الولاء الحزبي.
- استقلاليةٌ فعليةٌ للقضاء والهيئات الرقابية.
- شفافيةٌ في العقود والموازنات تتيح للمواطن والصحافة متابعة المال العام خطوة بخطوة.
الأهم من كل ذلك - ربما -هو كسر حلقة الصمت واليأس التي تجعل المواطن يتعامل مع الفساد كأمر واقع لا مفر منه، فحين يتحول الفساد من فضيحة إلى عادة يصبح هاجس المواطن السؤال عمن المستفيد من بقاء هذا الوضع كما هو؟ والإجابة عن هذا السؤال - لا محاربة الأعراض - هي نقطة البداية لأي إصلاح جاد.
خطوةٌ على طريقٍ طويل
بين هذا الواقع المزمن وهذا التشخيص القاتم لا يجوز إغفال أن ثمة مؤشرات - وإن كانت أولية - على أن بعض أطراف المنظومة السياسية بدأت تستشعر حرج هذا الملف، فالتحرك الأخير للحكومة العراقية برئاسة السيد علي الزيدي نحو ملاحقة قضايا طالت مسؤولين، يمكن قراءته كمحاولة - ولو محدودة - لكسر قاعدة الإفلات من المحاسبة التي هي كما أسلفنا حجر الأساس الذي يقوم عليه الفساد كنظام لا كإستثناء، غير أن مثل هذه الخطوات مهما بدت جادة، تبقى منقوصة الأثر ما لم تُستكمل بما يضمن وصول حقيقتها إلى الناس لا إلى أروقة القضاء وحدها، وهنا تكتسب دعوة السيد عمار الحكيم إلى محاكمة علنية لكبار الفاسدين معناها الأعمق، فالعلنية ليست إجراءً شكلياً يُضاف إلى مسار قضائي مغلق بل هي المدخل الذي يتحول من خلاله الفساد من سر تتقاسمه الشبكات المتنفذة إلى حقيقة يراها المواطن بنفسه، فيعرف كيف تُنهب الأموال العامة ومن الذي استفاد من بقاء الخلل قائماً وكيف مررت الصفقات عبر ثغرات القانون لا رغماً عنه.
وبهذا المعنى، فإن ملاحقة الفاسدين وعلنية محاكمتهم ليستا هدفاً بحد ذاتهما بل أداتان لتحقيق ما دعونا إليه في مطلع هذا المقال - معرفة جذور الفساد لا مجرد محاربة أعراضه - وهو ما لا يمكن أن يتحقق في الخفاء مهما حسنت النوايا.