

في أزقة المدن والشوارع، وعند إشارات المرور،والمحلات التجارية ،وأمام أبواب والمساجد، باتت ظاهرة التسول مشهداً مألوفاً يتكرر كل يوم وبأشكال مختلفة. إذ لا يمر يوم دون أن يواجه أحدنا موقفاً يستوقفه فيه شخص ما، حاملاً معه قصة مؤثرة وحبكة درامية صُيغت بعناية بهدف واحد: استعطاف المارة واستدرار أموالهم.
ويُلاحظ انتشار هذه الظاهرة بشكل لافت أيضاً أمام المستشفيات والمجمعات الطبية، حيث يستغل البعض الحالة النفسية للمراجعين وتعاطفهم الفطري مع المرضى،ليحولوا هذه الصروح الإنسانية إلى بيئة خصبة لاستجداء العواطف،هذه الظاهرة المقلقة ،التي تواجهنا جميعاً في تفاصيل حياتنا اليومية،لم تعد مجرد سلوك فردي، بل تحولت إلى قضية مجتمعية تستدعي الوقوف عندها وفهم أبعادها.
تنوع الحجج وسيكولوجية الاستعطاف
تطورت أساليب التسول ولم تعد تقتصر على طلب المال مباشرة، بل تحولت إلى ما يشبه "السيناريوهات" الجاهزة التي تلعب على وتر العاطفة الإنسانية والرحمة المتأصلة في المجتمع. ومن أشهر هذه الحجج:
الهدف من إقحام الأطفال أو استخدام حجة "المستشفى" هو وضع الضحية (المارّ) تحت ضغط نفسي وأخلاقي هائل؛ حيث يجد الإنسان نفسه في صراع بين شكوكه العقلانية حول صدق الرواية، وبين خوفه من أن يكون هذا الشخص صادقاً ومحتاجاً بالفعل.
أبعاد الظاهرة: خطورة التعاطف العشوائي
رغم أن الدافع وراء العطاء هو الخير والرغبة في المساعدة، إلا أن الاستجابة للتسول في الشوارع تنطوي على مخاطر جمة:
خلف القناع: إن مواجهة امرأة تدعي نفاد مالها في المستشفى هو اختبار حقيقي لوعينا. فالعاطفة تدفعنا للدفع فوراً، ولكن العقل يذكرنا بأن المؤسسات الخيرية الرسمية والمستشفيات الحكومية توفر قنوات دعم حقيقية للحالات الحرجة، وأن الشارع ليس المكان الصحيح لحل الأزمات الطبية.
كيف نتعامل مع هذه المواقف؟
الوعي هو السلاح الأول للحد من هذه الظاهرة. والتعامل السليم لا يعني قسوة القلب، بل توجيه الإحسان إلى مساره الصحيح من خلال:
خاتمة
إن كفاح المجتمعات ضد التسول لا يعني التخلي عن قيم التكافل والتراحم، بل يعني حماية هذه القيم من الاستغلال. إن مساعدة المحتاج واجب إنساني وديني، ولكن العطاء الواعي هو الذي يبني المجتمع، بينما العطاء العشوائي يغذي ظواهر التخلف والاتكال.