
تم توليد الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي (استخدام حر ومجاني).
المصدر الأصلي: International Christian Concern (ICC)
تاريخ النشر: 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026
الكاتبة: ليزا نافاريت (Lisa Navarrette)، زميلة في المنظمة.
تراجع الحضور المسيحي في موطن المسيحية الأول
عشتارتيفي كوم- ICC: يتناول الجزء السادس والأخير من سلسلة «اختفاء مسيحيي الشرق الأوسط» مستقبل الجماعات المسيحية في العراق وسوريا ولبنان والأراضي المقدسة، محذراً من أن الخطر لا يقتصر على تراجع أعداد المسيحيين، بل يمتد إلى احتمال تحول وجودهم التاريخي في المنطقة إلى مجرد ذكرى.
وتشير الكاتبة إلى أن المسيحيين لا يغادرون أوطانهم دائماً بسبب قرار مفاجئ بالهجرة؛ ففي كثير من الأحيان تبدأ العملية بخطوات تبدو مؤقتة أو فردية، مثل سفر الأبناء للدراسة، أو انتقال أحد أفراد الأسرة إلى الخارج بحثاً عن العمل، أو مغادرة المنزل خلال فترة العنف، قبل أن تتحول الإقامة المؤقتة إلى استقرار دائم في بلد آخر.
ومع مرور الوقت، يصبح السؤال الأهم، بحسب المقال، ليس عدد الذين غادروا فحسب، بل ما إذا كان عدد كافٍ من المسيحيين سيبقى للحفاظ على استمرارية المجتمع ومؤسساته وحياته الثقافية والدينية.
العراق.. مثال واضح على الانحسار السكاني
يستعرض المقال التراجع الكبير في أعداد المسيحيين العراقيين، مشيراً إلى أن البلاد كانت تضم قبل عام 2003 أكثر من مليون مسيحي بكثير، قبل أن تتعاقب عليها الاضطرابات السياسية والعنف الطائفي والتفجيرات التي استهدفت الكنائس وعمليات الخطف والاغتيال، وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش مناطق واسعة من البلاد.
ويؤكد المقال أن هجوم داعش على الموصل وسهل نينوى عام 2014 سرّع نزوح المسيحيين الذين كان كثير منهم قد غادر العراق بالفعل في السنوات السابقة.
ويستشهد التقرير بمدينة الموصل لتوضيح صعوبة إعادة بناء المجتمعات بعد انتهاء المعارك، إذ نقلت المنظمة في تقرير سابق، صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أن عدد العائلات المسيحية المتبقية في المدينة انخفض إلى أقل من 70 عائلة، بعدما كانت المدينة موطناً لعشرات الآلاف من المسيحيين.
ويرى المقال أن ترميم الكنائس وإصلاح الشوارع واستعادة الأمن لا يعني بالضرورة عودة السكان، لأن إعادة بناء مجتمع متكامل أكثر تعقيداً من إعادة إعمار المباني.
سوريا.. النزوح المؤقت الذي أصبح هجرة دائمة
يعرض المقال التجربة السورية باعتبارها مثالاً آخر على التحولات الديموغرافية التي أصابت المسيحيين. فعندما اندلعت الحرب عام 2011، غادرت عائلات كثيرة وهي تتوقع العودة بعد توقف القتال، لكن سنوات النزاع الطويلة دفعتها إلى بناء حياة جديدة خارج البلاد.
فالتحق الأطفال بمدارس جديدة، وعثر الآباء على فرص عمل، واستقرت العائلات في بلدان أخرى، في وقت واصلت فيه سوريا مواجهة الانهيار الاقتصادي والعنف المتطرف وعدم الاستقرار السياسي.
ويحذر التقرير من أن النجاة من الحرب لا تعني بالضرورة عودة المهجّرين، وأن استمرار الظروف الصعبة قد يجعل العودة أكثر تعقيداً مع مرور السنوات.
لبنان.. الهجرة نتيجة تراكم الأزمات
يتناول المقال الوضع اللبناني بوصفه نموذجاً مختلفاً عن العراق وسوريا؛ إذ لا يربط تراجع الوجود المسيحي بحدث واحد أو اجتياح عسكري، بل بتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت، إلى جانب تأثير الجماعات المسلحة والصراعات الإقليمية وتراجع الثقة بالمستقبل.
ويشير إلى أن قرار الهجرة لا يتخذ دائماً نتيجة تهديد مباشر، فقد ترى الأسرة أن البقاء لم يعد يوفر لأبنائها الاستقرار أو فرص العمل والتعليم التي يحتاجون إليها.
وهكذا يمكن أن تؤدي قرارات فردية، تبدو منطقية من منظور كل عائلة، إلى تغيير ديموغرافي واسع عندما تتكرر على نطاق كبير.
الأراضي المقدسة.. أماكن مسيحية مقدسة وحضور محلي محدود
يسلط التقرير الضوء على المفارقة بين المكانة الروحية العالمية لمدن مثل بيت لحم والقدس، وكنيسة المهد وكنيسة القيامة، وبين التراجع النسبي في أعداد المسيحيين الذين يعيشون فيها.
ويشير إلى أن المسيحيين المحليين أصبحوا أقلية صغيرة في أماكن يرتبط بها ملايين المسيحيين حول العالم، كما يلفت إلى أن عدد المسيحيين في غزة كان محدوداً أصلاً قبل الحرب التي اندلعت عقب هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويؤكد المقال أن فقدان أفراد من مجتمع صغير أو مغادرة عدد من العائلات يمكن أن يترك أثراً ديموغرافياً كبيراً، ويضعف قدرة الجماعة على الاستمرار.
الاضطهاد لا يقتصر على العنف المباشر
من الأفكار الأساسية التي يناقشها المقال أن اضطهاد المسيحيين لا يقتصر على التفجيرات والقتل والاختطاف والسجن، رغم خطورة هذه الأفعال، بل قد يتخذ أشكالاً أخرى تؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها.
ومن هذه العوامل التمييز الاقتصادي، والتهميش السياسي، وضعف الأمن، وفقدان الممتلكات، والقيود على الحركة، وتدمير مصادر الرزق، وسيطرة الجماعات المسلحة، والفقر والخوف المستمران.
ويرى التقرير أن آثار الاضطهاد قد تستمر حتى بعد توقف الاعتداء المباشر؛ فإذا فقدت عائلة مصدر رزقها نتيجة العنف، ثم اضطرت إلى الهجرة بعد سنوات، فإن تبعات ذلك العنف لم تنتهِ بمجرد توقف الهجوم.
ما الذي يحتاج إليه المسيحيون للبقاء؟
يشدد المقال على أن حماية المسيحيين تتطلب أكثر من منع الاعتداءات وإعادة ترميم الكنائس. فاستمرار المجتمعات يحتاج إلى منظومة من الظروف التي تتيح للعائلات التخطيط لمستقبلها، ومنها:
ويؤكد التقرير أن إعادة بناء قرية مسيحية لن تحقق هدفها كاملاً إذا لم يجد سكانها عملاً، كما أن ترميم الكنيسة لن يضمن استمرارية الجماعة إذا غابت عنها العائلات الشابة والأطفال.
المجتمعات المسيحية لا تزال تقاوم الاختفاء
رغم الصورة القاتمة التي يعرضها التقرير، فإنه لا يقدم مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط باعتباره أمراً محسوماً. فهناك عائلات عراقية تعيد بناء حياتها في سهل نينوى، وكهنة في سوريا يواصلون خدمة رعاياهم، وطلاب لبنانيون يسعون إلى بناء مستقبلهم في وطنهم، ومسيحيون فلسطينيون يعيدون فتح أعمالهم رغم الصعوبات.
كما تستمر المجتمعات المسيحية في تعليم أطفالها، وترميم كنائسها، وفتح المتاجر، والاحتفال بالأعياد، وتعميد الأطفال وإقامة الزيجات ووداع أحبائها.
ويعتبر المقال أن هذه الأنشطة اليومية تمثل أحد أهم أشكال استمرار الوجود المسيحي؛ فالمجتمعات لا تبقى بفضل مبانيها التاريخية وحدها، بل من خلال انتقال الحياة والتقاليد والإيمان من جيل إلى آخر.
الخلاصة: هل ستبقى المسيحية حاضرة في موطن نشأتها؟
يختتم التقرير بالتأكيد على أن مستقبل المسيحية في الشرق الأوسط لا يتعلق ببقائها ديناً عالمياً، بل بقدرتها على الاحتفاظ بحضور حيّ في الأراضي التي شهدت نشأتها وانتشارها الأول.
ويرى أن اختفاء المسيحيين من المنطقة ليس قدراً محتوماً، لكنه يتطلب مساندة فعلية للعائلات والمجتمعات التي تحاول البقاء وإعادة البناء، بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ على الكنائس القديمة والمواقع التاريخية.
فالكنائس ما زالت قائمة في أماكن كثيرة، والمسيحيون ما زالوا يعيشون فيها، لكن استمرار قصتهم يحتاج إلى ظروف تسمح لهم بأن يروا مستقبلاً لأبنائهم في أوطانهم.