

في صباحٍ لم يكن مقتنعاً بأنه صباح، ذهب رجل إلى مكتبٍ لتأجير الموتى.
كان المكتب يقع بين صيدلية تبيع الذكريات المستعملة ومخبز لا يخبز إلا لمن لم يولدوا بعد. وعلى بابه لافتة نحاسية كُتب عليها:
«نؤجّر النهايات لجميع الأغراض، باستثناء البدايات التي لم تستوفِ شروطها القانونية».
دخل الرجل.
كان يرتدي معطفاً رمادياً، ويحمل تحت إبطه جنازة صغيرة ملفوفة بورق الجرائد.
رفع الموظف رأسه عن دفترٍ تتساقط من صفحاته أسنان بشرية.
— ماذا تريد؟
قال الرجل:
— أريد أن أستأجر موتي ليومين.
لم يبدُ الموظف متفاجئاً. أخرج درجاً من فمه، فتّش فيه قليلاً، ثم قال:
— موتك الشخصي، أم الموت الذي ورثته عن أبيك؟
— وهل ثمة فرق؟
— بالطبع. موت الأب أكثر خبرة، لكنه يرفض العمل أيام الأحد.
جلس الرجل. كان الكرسي يتنفس بصعوبة، فاعتذر له، ثم وضع الجنازة على ركبتيه.
قلّب الموظف أوراقاً لا تحمل أسماء، وسأله:
— ولماذا تريد استئجار الموت؟
فكّر الرجل طويلاً. في الخارج، مرّت جنازة مسرعة، وكان الميت يمشي خلف نعشه غاضباً، لأنه لم يُستشر في اختيار الزهور.
قال أخيراً:
— تعبت من كوني الشخص الذي يبقى بعد كل شيء. أريد أن أعرف كيف يبدو العالم حين لا أكون فيه، ثم أعود لأخبر نفسي بما فاتها.
ابتسم الموظف ابتسامة قديمة، من النوع الذي كان الناس يستعملونه قبل اختراع الندم.
— هذا طلب شائع. لكن ثمة مشكلة.
— ما هي؟
— لا يمكنك استئجار الموت دون أن تترك شيئاً ضماناً.
— وماذا تريدون؟
— ذكرى لا تستطيع استعادتها.
فكّر الرجل في أمه، وفي طفولته، وفي المرأة التي أحبها ذات شتاء ولم يخبرها، وفي أخيه الذي مات قبل أن يتعلّم كيف يودّعه. كانت ذكرياته تصطف في داخله كسجناء ينتظرون حكماً لن يصدر.
ثم تذكّر شيئاً صغيراً.
قال:
— خذوا مني آخر مرة شعرت فيها أنني لست وحيداً.
مدّ الموظف يده.
وحين لامست أصابعه يد الرجل، انطفأت المدينة.
لم تنطفئ مصابيحها فحسب؛ انطفأ السبب الذي جعل الأشياء مرئية. اختفت النوافذ من البيوت، والوجوه من الصور، والاتجاهات من الشوارع. حتى الشمس توقفت في السماء، تتساءل عمّن منحها الإذن بالاستمرار.
فتح الرجل عينيه.
كان ميتاً.
لم يكن الموت مظلماً كما تخيّل، ولا بارداً، ولا مهيباً. كان غرفة بيضاء تتوسطها بركة من ماء لا يعكس شيئاً.
جلس على حافتها، وانتظر أن يشعر بشيء.
لم يشعر.
مرّت امرأة تحمل رأسها بين ذراعيها. ومرّ طفل يجرّ ظلّه خلفه، وكان الظل يبكي. ثم مرّ رجل يشبهه تماماً، لكنه بدا أكثر تعباً.
سأله الرجل:
— هل أنت أنا؟
أجابه الآخر:
— لا أعرف. جئت لأرى ما الذي يحدث لي حين أغيب.
ضحك الآخر ضحكة مألوفة، كأنها صادرة عن باب أغلقه الرجل منذ زمن، ثم نسي أنه كان مفتاحه.
قال:
— ستعود، على أي حال.
— كيف تعرف؟
— لأن الذين يريدون معرفة العالم من دونهم لا يذهبون بعيداً. إنهم يحملون أنفسهم معهم، حتى إلى الموت.
ثم اختفى.
في نهاية اليوم الأول، اكتشف الرجل أن الموت لا يسرق الألم، بل ينزع عنه أسماءه. كان الحزن يجلس قرب النافذة في هيئة رجل يصلح ساعة مكسورة، والندم كلباً عجوزاً ينام عند قدميه، أما الخوف فكان طفلة صغيرة تسأله كل مساء إن كان سيعود إلى البيت.
في اليوم الثاني، بدأ يشتاق إلى أشياء لم يكن يحبها.
إلى صوت الماء في الأنابيب، ورائحة الخبز المحترق، وصوت زوجته وهي تناديه من الغرفة الأخرى، حتى حين لم يكن لديها ما تقوله.
اشتاق إلى العالم بتفاصيله التافهة، واكتشف أن التافه هو الاسم الذي نمنحه للأشياء التي لا نعرف كيف نشكرها.
وقبيل منتصف الليل، عاد الموظف.
— انتهت مدة الإيجار.
نهض الرجل.
— أريد العودة.
— بالطبع. لكن عليك استعادة الضمان.
— أي ضمان؟
أخرج الموظف من جيبه قارورة صغيرة. في داخلها كان شيء شفاف يتحرك كضوء يحاول تذكّر النار.
قال:
— هذه آخر مرة شعرت فيها أنك لست وحيداً. هل تريد استعادتها؟
مدّ الرجل يده، ثم توقف.
كان يعرف تلك اللحظة. يعرف أين حدثت، وفي أي غرفة، وفي أي مساء من حياته. لكنه لم يستطع تذكّر وجه الشخص الذي جعله يشعر بها.
قال الموظف:
— ماذا يحدث إن تركتها عندنا؟
— تعود إلى حياتك، لكنك لن تعرف أبداً لماذا كنت قادراً على احتمالها.
ظل الرجل صامتاً.
ثم قال:
— احتفظوا بها.
رفع الموظف حاجبيه.
— أنت متأكد؟
— لا. لكنني تعبت من دفع ثمن الأشياء التي أنقذتني يوماً.
وقّع الرجل العقد وعاد إلى العالم.
وجد المدينة في مكانها، والشمس تؤدي عملها بلا حماسة، والناس يعبرون الشوارع كأنهم يتأخرون عن موعد مع أنفسهم.
عاد إلى بيته.
وجد على الطاولة فنجانين من القهوة، مع أن زوجته كانت قد ماتت قبل سبع سنوات.
لم يلمس الفنجانين.
جلس أمامهما حتى الصباح، ثم خرج إلى الشرفة. كان الهواء بارداً، وكانت شجرة في الشارع تحاول أن تتذكّر أيّ فصل تنتمي إليه.
للمرة الأولى، لم يشعر بالحاجة إلى تفسير أي شيء.
بعد أسبوع، عاد إلى مكتب تأجير الموتى.
كانت اللافتة النحاسية قد صدئت، والصيدلية المجاورة تبيع ذكريات لم تحدث، أما المخبز فقد أغلق أبوابه، لأن جميع الذين كان يخبز لهم قد وُلدوا أخيراً.
دخل الرجل.
رفع الموظف رأسه.
— هل تريد استئجار موتك مرة أخرى؟
— لا. جئت لأستأجر حياة لشخص آخر.
— من هو؟
أخرج الرجل من جيبه ورقة بيضاء.
— لا أعرف بعد. لكنني أظن أنه شخص لم يولد، أو شخص مات ولم يلاحظ أحد غيابه.
قلّب الموظف الورقة بين أصابعه، ثم أعادها إليه.
— نحن لا نؤجّر الحياة لمن لا يملك اسماً.
استدار الرجل نحو الباب.
وقبل أن يغادر، سمع الموظف يناديه:
— ثمة أمر نسيت أن أخبرك به.
التفت.
قال الموظف:
— حين تركت ذكراك عندنا، لم نحتفظ بها. لقد استأجرها شخص آخر.
— من؟
أغلق الموظف الدفتر.
— رجل جاء قبل ولادتك بقليل. كان يرتدي معطفاً رمادياً، ويحمل تحت إبطه جنازة صغيرة ملفوفة بورق الجرائد.
ظل الرجل واقفاً.
ثم نظر إلى يديه. كانتا ترتجفان، لا من الخوف، بل من شعور غريب بأن شيئاً ما قد عاد إليه، شيئاً لا يتذكر أنه فقده.
خرج إلى الشارع.
وفي تلك اللحظة، رأى امرأة تعبر الطريق، تحمل بين ذراعيها رأسها وتضحك.
لم يعرفها.
لكنه شعر، للمرة الأولى منذ سنوات، أنه ليس وحيداً.
ولم يعرف أن تلك كانت آخر مرة يشعر فيها بذلك.
في اليوم التالي، افتُتح مكتب جديد لتأجير البدايات.
وكان أول زبون فيه رجلاً لا يملك نهاية.
نشوان عزيز عمانوئيل
ستوكهولم.