

تغلبُ على الأعمالِ الرّوائيةِ البوليسيّةِ العظيمةِ صفةُ التّشويق، إذ لا يكادُ القارئُ أن يتناولَ الإهداءَ حتّى تشدّه أسطرها، فينطلق في مغامرةٍ استكشافيّةٍ بدهاليزِ العملِ جامعًا الأحاجي المتناثرة هنا وهناك، فيسلسل له ذهنُهُ إطارًا عامًّا يرتّبها عليهِ كي تتّضحَ الصّورةُ النّهائيّة للحلّ. وقد يلجأُ الكاتبُ في هذا النّوعِ من السّردِ إلى ما يُسمّى بالمُنعَطَفِ الدّراميّ plot twist الذي يظهرُ في القطعة قبل الأخيرة مِنَ الأحجِيَةِ النّهائيّة، فيبعثرَ كلَّ ما بناهُ القارئُ مِنْ توقّعاتٍ جعلتهُ واثقًا بأنّهُ قادِرٌ على حلِّها.
و"ضحايا أبو الهول" روايةٌ تسرقُكَ مِنَ الحاضِرِ في حدّوتَةٍ بَسيطَةٍ بادئ الأمرِ حدثتْ لإنسانٍ فقيرٍ مطلع القرنِ العشرين. وكأيِّ عملٍ سينمائِيٍّ زاخِرٍ في التّشويق، تزرعُ الرّوايةُ بينَ أسطُرِها أفكارًا تجعَلُكَ تلاحِقُها حتّى تمامِها. فللبطلِ "خضر" رؤيا استباقيّة Déjà vu منذُ بدءِ الرّواية، تربطُهُ بحدثٍ سيحدثُ في نهايتها، يكادُ أنْ يكونَ هذا الحدث عملًا روائيًا آخر موازِيًا لهذا العَمَل.
تنقسمُ الرّوايةُ إلى تسعَةِ فصول مُعنوَنَةً بعباراتٍ تُفصِحُ أحيانًا عمّا سيأتي به السّردُ لاحِقًا. فالفصلُ الأوّل ذي العنوان: "خضر وعثورهُ على الصّندوق"، يأخذكَ لعالَمٍ يُشبِهُ عالَم إنديانا جونز Indiana Jones للمخرجِ الأمريكي ستيفن سبيلبرغ، أو عالم المومياء The Mummy للمخرج ستيفن سومرز، فيذهلكَ بكلِّ تفصيلَةٍ فيه، حتّى تنصَهِرَ مع شخصيّةِ خضر بالرّغم مِنْ أنّ السّردَ في الرّوايةِ يأخذ أسلوبَ الشّخص الثالث العالم بكلِّ شيء. والحالةُ ذاتها بباقي الفصول وصولًا للفصل التّاسع "نقل المومياء ومجابهةِ المُستَطير".
أمّا الشّخصيّات، فلا تخلو هي الأخرى من سمةِ التّشويق، فشخصيّة خضر وصديقه موسى تتماهى أحيانًا مع شخصيّتي الخضر وموسى النّبيّ. وتمثّل شخصيّة الشّيخِ مُطاوع ذاك النّقاءَ الأخلاقيّ الذي تتجلّى أمامَهُ الأشياء على حقيقتِها. وتتشابهُ شخصيّة إبراهيم ابن البطل خضر مع شخصيّة ميريت ابنةُ العالِمِ الفرعوني خوشخاف إلى حدّ كبيرٍ في المصير المكتوب عليهما. كما وترتبطُ شخصيّةُ خوشخاف بشخصيّةِ البطلِ خضر في بعضِ المواقفِ من قصّةِ الرّواية، حتّى تكاد أنْ تراهما واحدًا، ولكن، بزمانين مختلفين. ولشخصيّةِ "أبو الهول" _الحيوان الهجين في الرّواية_ أفقٌ تأويليّ، بدايةً من اسمه، حيث أعطتهُ الرّواية دلالةً عربيّة: "اقترح الملكُ من هذا المنطلق اسمًا وقال: إذًا ليكن اسمه أبو الخوف، وقال آخر: أبو الفزع، فقال خوشخاف تعقيبًا عليهم: لنبقي على معنى الاسم مع تغيير المسمّى، فقال: ماذا تقترح؟ فقال: اقترح اسم (أبو الهَول)، تلقّف الملك هذا الاسم وكرّرهُ على مسامعهِ عدّة مرّات: أبو الهول، أبو الهول، فاستساغ هذا الاسم"*. أمّا ياسونشع فيرمزُ للاستعلاء والكبرياء والطّموح الأعمى الذي لا يُبالي بسحقِ العالمِ مِنْ أجلِ تحقيقِ أهدافه.
وينفردُ الحِوارُ في الرّواية بسردِ قصصٍ مترابطةٍ تكملُ أحجيةَ القصّةِ الأولى، فلا يمكن للقارئِ _على سبيلِ السّهوِ_ أنْ يُفوِّتَ سَطرًا منه، أو عبارة، لأنّه بكلِّ بساطةٍ سيحتاجُ إلى إعادةِ قراءةِ الفصلِ كاملًا مِنْ أجلِ تذوّقِ مُتعةِ السّرد. فيتباينُ الحِوارُ باختلافِ الشّخصيّات المُتحدّثة مُفصِحًا عَنْ كاتِبٍ مُتمكّنٍ من أدواتِهِ السّرديّة، يجيدُ التّواري خلفَ أصواتِ تلكَ الشّخصيات وهو يرجّحُ الرأيَ الذي يراهُ أصوب.
وذروَةُ التّشويقِ وقمّتُهُ في الفصلِ الثامن، حيثُ تقرأُ على أعصابكَ مُتأمّلًا أن لا يُصيبَ البَطَلَ وأتباعَهُ سوءٌ فتكمد على أثرهِ. تتابِعُ حينها بكلِّ حواسكَ، فتوقِظ "خضر" إذ يأخذهُ كابوسُ غفوة، وتهمسُ للشّيخِ مطاوع بأنْ يبذلَ كلَّ ما بوسعِهِ وأكثر في فكِّ لغزِ تلكَ اللّعنة، وتنبّه الحارسينِ أن يبقيا يقظين أيّما يقظة من أجلِ حراسة الجميع، وتُصلّي ألفًا أنْ لا يصلَ المُستَطيرُ إلى إبراهيمَ فيقتلهُ تنكيلًا بخضر.
وتنتهي الرّواية نهايةً نمطيّةً سعيدةً لا يمكن أن تنتهي بغيرِها، فتكتملُ صورةُ اللّغز، ويتجلّى الحلُّ، وتنقضِي المُعضلاتُ الأخلاقيّة، ويُسدَلُ السّتارُ على عَمَلٍ أُضيفَ إلى الأعمالِ السّرديّةِ المشوّقة اسمُهُ "ضحايا أبو الهول". ومن الجدير بالذكر أنها إحدى الرّوايات الفائزة في جائزة الرواية العربية التي تقيمها مؤسسة الخلق العظيم في دورتها الأولى.
الهامش:
*مجدي شحاتة، ضحايا أبو الهول، مؤسسة الخلق العظيم، ط1، ص163.