الأردن... تناقصٌ رغم التعايش
تُعدّ المملكة الأردنيّة الهاشميّة من أبرز الدول التي حافظت على استقرارها وأمان مواطنيها، مقارنةً بمحيطها المُلتَهِب. وتشهد المملكة تعايشًا دينيًّا ساعد مسيحيّيها على المحافظة على نسبتهم ضمن النسيج المجتمعيّ، بل استقبلت أيضًا، على مدى العقود الثلاثة الماضية، أفواجًا من مسيحيّي العراق، اتّخدوا المملكة محطّةً أولى في رحلتهم إلى المهجر.
ورغم ذلك، يبدو أنّ نسبة المسيحيّين تقلّصت من 10% مطلع القرن العشرين، إلى قرابة 4% «من عدد السكان المقدَّر بـ6.5 ملايين نسمة» مطلع القرن الحادي والعشرين، حسب دراسة أعدَّها الأب حنّا كلداني، وتناقصت إلى نحو 2% لاحقًا. وقد تبدو نسبة التناقص متناسبة مع تزايد أعداد السكّان المسلمين بوصول اللاجئين الفلسطينيّين عقب العام 1948، ومعظمهم مسلمون. هذا فضلًا عن هجرة نسبة من المسيحيّين بحثًا عن مستقبلٍ أفضل، مع تذبذب الأوضاع الاقتصاديّة في محيط غير مستقرّ.
الأراضي المقدّسة... هل يخلو مهد المسيحيّة من مسيحيّيه؟
للأراضي المقدّسة قدسيّتها لدى الديانات السماويّة الثلاث، لا سيّما المسيحيّة، فعلى أرضها وُلِدَ المسيح وعاشَ وعلّم، وهناك عُلِّق مصلوبًا ثمّ قامَ منتصِرًا على الموت. إذن، يُعدّ ارتباط المسيحيّة بالأراضي المقدّسة جوهريًّا ووثيقًا.
إلّا أنّ أعداد الفلسطينيّين المسيحيّين تراجعت إلى حدٍّ كبير في القرن الماضي، مع تتالي الأحداث، بدءًا بحرب العام 1948 والصراع السياسيّ الذي أعقبها، وسلسلة الانتفاضات الفلسطينيّة ضد الوجود الإسرائيليّ، وصولًا إلى الأحداث الأخيرة والحرب المدمّرة في غزّة. وقد خلّفَ كلّ ذلك وضعًا أمنيًّا متذبذبًا وظروفًا اقتصاديّة صعبة في بلادٍ تعتمد على موارد السياحة الدينيّة في شكلٍ كبير، ما أدّى إلى تضاؤل نسبة المسيحيّين من 11% مطلع القرن المنصرم إلى 8% في العام 1946، ثمّ إلى أقلّ من 1% في العام 2024، هم القادرون على الصمود إزاء التحديّات العسيرة.
إيران... مسيحيّون ومهتدون إلى المسيحيّة
وقَعَ مسيحيّو شمال إيران ضحايا اضطهاداتٍ ومجازر إبّان الحرب العالميّة الأولى، ما اضطرّ كثيرين من الناجين إلى النزوح عن أراضيهم التاريخيّة إلى ملاذات آمنة في دولٍ عدّة، فتراجعت أعدادهم. واستمرَّ التراجع بوتيرة بطيئة في سنوات الاستقرار في خلال حكم الشاه.
بعد الثورة الإسلاميّة، تناقص حضور المسيحيّين الذين كان عددهم قرابة 1.800.000 نسمة، مع تغيّر قواعد الحرّيات الدينيّة فضلًا عن تراجع الوضع الاقتصاديّ مع اندلاع الحرب العراقيّة-الإيرانيّة وتحدّياتها الأمنيّة، وصولًا إلى الحرب المندلعة حاليًّا. ويُشير تعداد السكّان لعام 2016، إلى وجود قرابة 130,158 مسيحيًّا معترفًا بهم، فالمتحوِّلون من الإسلام إلى المسيحيّة غير معترف بهم ومضطهدون. وقدَّرتهم منظّمات حقوقيّة بقرابة 800.000 نسمة في العام 2026.
تركيا ومصر
تبدو مصر من أكثر الدول التي حافظت على نسبة المسيحيّين فيها، رغم مواجهتها حروبًا عدّة وأوضاعًا اقتصاديّة صعبة. وربّما يكون لعدد الولادات الكبير تأثيره الواضح رغم هجرة كثيرين للأسباب المذكورة. وقد انخفضت النسبة من قرابة 9% مطلع القرن الماضي إلى قرابة 6% في نهايته بحسب دراسات إحصائيّة، لكنّ الكنيسة تقول إنّها تقارب اليوم 15%.
وفي تركيا، اضمحلّت نسبة المسيحيّين من قرابة 20% قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى وقبل وقوع مجازر سيفو ضدّ المسيحيّين الأرمن والكلدان والسريان واليونانيّين، إلى ما دون 0.5%. وإلى جانب استمرار التمييز والاضطهاد على مدى العقود اللاحقة، تبرز المعاناة الاقتصاديّة بوصفها سببًا آخَر لهجرة المسيحيّين من تركيا. وتكاد محطّات مهمّة في التاريخ المسيحيّ، مثل أنطاكيا وأفسس وسواها، تخلو من مسيحيّيها.
انقلاب ديموغرافيّ
يعكس تراجع أعداد المسيحيّين في الشرق انقلابًا في ديموغرافيّة المنطقة التي كانت ذات غالبيّة مسيحيّة، ويُبرز تأثير حروبٍ واضطهاداتٍ وأزماتٍ سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة عدّة تسبّبت في نزيفٍ كهذا، ويؤشّر إلى تناقص ملحوظ في عدد الولادات لدى العائلات المسيحيّة الصامدة، فضلًا عن غياب إحصاءاتٍ حكوميّة رسميّة في دولٍ عدّة منذ سنوات. يُقابل ذلك نشوء مجتمعاتٍ لمسيحيّين مشرقيّين في بلاد الاغتراب من أستراليا إلى أوروبا وصولًا إلى الأميركيّتَين، تجتهد لتبقى مرتبطةً بجذورها ومحافظةً على تراثها المشرقيّ، ومتطلّعة إلى العودة التي تبدو اليوم شبه مستحيلة.
رغم تجدّد الحرب في منطقة الشرق الأوسط، لم تعد الهجرة خيارًا ممكنًا، فالأجواء مغلقة والطيران معلَّق، وقوارب الهجرة غير الشرعيّة ما عادت تصارع موجات البحر المتوسّط، وربّما أصبح التمسّك بأرض الآباء والأجداد خيارًا إجباريًّا.