
عشتار تيفي كوم - وكالات/
يتدرب المرء على مدار سنوات على تلطيف تعبيره عن الرفض وحشوه بالأسباب وتغليفه بالاعتذارات لتقديم تبرير مفصل ليقرر الطرف الآخر ما إذا كان من حقه احترام حدوده. ومن الأمثلة على ذلك استخدام عبارات مثل "لا أستطيع، لأن..."، "أودّ ذلك، لكن..."، "أنا آسف، الأمر فقط..."، ثم ينتظر أن يتم تقييم عذره واختبار منطقه، ثم إما أن يُسمح له بالرفض أو أن تُفند حججه حتى يستسلم.
بحسب ما نشره موقع Global English Editing، يشير علم النفس إلى وجود جملة أفضل. جملة تُغيّر كل شيء وتُقال بهدوء دون أي تبرير: "هذا لا يناسبني". بلا تفسير. لا اعتذار ولا مجال للتفاوض، إنه مجرد بيان واضح وكامل للموقف.
وضع حدود دون تفسير
تربّى الكثيرون منذ الصغر على الاعتقاد بأنّ وضع حدود دون تفسير يُعد وقاحة أو أنانية أو عدوانية. لكن هذه التنشئة لم تأتِ من فراغ، بل من بيئات كان يُقابل فيها قول "لا" بالتأنيب أو العقاب أو الحرمان من المودة. إذا نشأ الشخص على فكرة أن الرفض غير مقبول إلا إذا استطاع تبريره، فقد استوعب اعتقاداً لا يزال يُسيطر على حياته كشخص بالغ وهو أن راحته قابلة للتفاوض ما لم أتمكن من إثبات عكس ذلك.
يُعرف المعالج النفسي بيت ووكر، المتخصص في الصدمات النفسية المعقدة، هذا النمط بـ"استجابة التملق" - وهي رد فعل رابع للصدمة النفسية إلى جانب المواجهة والهروب والتجمد. ينطوي التملق على إرضاء الآخرين لدرجة الانفصال عن المشاعر والاحتياجات والحدود الشخصية من أجل الحفاظ على الأمان في العلاقات.
وصف ووكر نمط "الودود" بأنه نمط من الأشخاص يسعون للأمان بالاندماج مع رغبات الآخرين ومطالبهم، وكأن ثمن الدخول في أي علاقة هو التنازل عن احتياجاتهم وحقوقهم وتفضيلاتهم. إن هذا ليس لطفاً، بل هو سلوك بقاء يعمل تلقائياً حتى بعد زوال الخطر.
شرح الحدود الشخصية
تكمن مشكلة شرح الحدود الشخصية في أن تقديم الأعذار عند تحديد الحدود لا يُقويها، بل يُضعفها.
كما توضح دورية Psychology Today، أن الإفراط في الشرح يُشير إلى أن الحدود قابلة للنقاش. فعندما يقول الشخص "لا أستطيع المجيء لأن لديّ موعداً في الصباح الباكر"، يكون قد منح الطرف الآخر ذريعة للمجادلة. ويمكن أن يقول "سيكون الأمر سريعاً" أو "هيا، ساعة واحدة فقط". لقد تم منحه الأدوات اللازمة لرفض الاعتذار.
لكن عندما يقول الشخص "هذا لا يناسبني" ويتوقف عن الكلام، فلا يبقى مجالٌ للمجادلة. إن الرد عندئذ يكون عبارة عن رأي الشخص، ولا يمكن دحضه، ولا جدال فيه، إنه ببساطة حقيقة.
جهد عاطفي
عندما يقوم الشخص بتبرير وضع حد ما، فإنه يبلغ عن قرار ويمارس فعلاً صغيراً مرهقاً لإدارة مشاعره. إنه يقوم بصياغة تفسير يبدو منطقياً، ويتوقع الاعتراضات، ويراقب ردة فعل الطرف الآخر، ويعدل نبرة صوته لتجنب الظهور بمظهر بارد، ويدير مشاعرهم تجاه حدوده.
أطلق عالم الاجتماع آرلي هوكشيلد على هذا النوع من الأداء العاطفي اسم "الجهد العاطفي"، وهو العمل الذي يقوم به الشخص لإدارة مظهره العاطفي الخارجي بما يتناسب مع توقعات الموقف. إنه في هذه الحالة يكون قد حدد نوعاً مكلفاً للغاية يسمى التمثيل السطحي، حيث يظهر الشخص مشاعر لا يشعر بها في الواقع. في كل مرة يبتسم فيها رافضاً أمراً أزعجه، أو يعتذر عن وضع حدود له كامل الحق في تحديدها، فإنه يمارس التمثيل السطحي. وتظهر الأبحاث باستمرار أن التمثيل السطحي مرتبط بالإرهاق العاطفي والقلق والاكتئاب. في حين أن قول "هذا لا يناسبني" دون توضيح ليس وقاحة، بل هو رفض لبذل جهد عاطفي غير ضروري لراحة شخص آخر.
الجهاز العصبي
عندما يتدرب الشخص على وضع الحدود دون تبرير، يتغير شيء ما بمرور الوقت. يتعلم جهازه العصبي تدريجياً أن الوضوح لا يؤدي إلى كارثة. يخف الشعور بالذنب، وتخف حدة التوتر. ويتطور لدى الشخص ما يعرف في علم النفس بالحزم - القدرة على التعبير عن الاحتياجات بوضوح دون عدوانية أو سلبية. إنها ليست سمة شخصية إما أن يمتلكها الشخص أو لا، بل هي مهارة. وكأي مهارة، تزداد قوة بالممارسة.
تحدد نظرية تقرير المصير، التي وضعها عالما النفس ريتشارد رايان وإدوارد ديسي، ثلاثة احتياجات نفسية أساسية هي الاستقلالية والكفاءة والانتماء. من بين هذه الاحتياجات الثلاثة، تعد الاستقلالية - شعور الشخص بأن أفعاله نابعة من اختياره وليست خاضعة لضغوط خارجية - ربما الأكثر ارتباطاً بوضع الحدود. ولهذا، فإن عبارة "هذا لا يناسبني" تعيد استقلالية الشخص، لأنها تعني: "لقد قررتُ بالفعل. أنا لا أطلب منك الموافقة على قراري، بل أُعلمك به".
تظهر الأبحاث ضمن إطار تقرير المصير باستمرار أنه عندما تُلبى احتياجات الأفراد من الاستقلالية، فإنهم يشعرون بمزيد من الرفاهية والمثابرة والصحة النفسية العامة. أما عندما تُقمع الاستقلالية - عندما يشعر الأفراد بالسيطرة أو الإكراه - فإن الرفاهية تتراجع.