
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
في خضم ما تعيشه منطقة الشرق الأوسط وبيث نهرين _ والتي تُعتبر موطناً لمسيحيي الشرق والشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي _ من حروب وتطورات متسارعة، تحدث بطريرك كنيسة المشرق الآشوري، مار آوا الثالث رويل عن عدد من القضايا والتحديات التي تواجه الوجود المسيحي ووحدة الكنائس، بالإضافة عما يحمله انتخاب البطريرك مار بولس الثالث نونا كبطريرك للكنيسة الكلدانية من أمل في توحيد الكنائس وتوطيد التعاون بينها.
وتعهد البطريرك رويل بالعمل على توطيد التعاون وتعزيز التنسيق بين الكنائس المشرقية بشكلٍ فعّال وعمليّ، قائلاً إن “وحدة الكنائس الشقيقة هي أوّلًا وقبل كلّ شيء عطيّةٌ يهبُها الرّوح القُدُس، بجانب كونها خبرةً روحيّة حيّة، يتطلَّب عيشها صلاةً لا تنقطع وتأمّلًا روحيًّا عميقًا وتعاونًا أخويًّا صادقًا”، ورأى أن واقع الكنائس في الوطن والشرق عمومًا، على اختلاف انتماءاتها الكنسيّة، يفرض عليها تعاونًا أوثق لخير مؤمنيها ومستقبلهم، مشدداً على أنّ مواجهة التحدّيات الراهنة، ولا سيّما الهجرة “وصون وديعة الإيمان والحفاظ على الهويّة الكنسيّة والقوميّة، تستدعي اهتمامًا وتعاونًا مشتركَين وتتطلّب تنسيقًا بين الكنائس لإيجاد حلول ناجعة تُسهم في صون حضور مسيحيّي الشرق والحفاظ على إرثهم الروحيّ والتاريخيّ”
وعن الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، ولا سيما في ظل التواجد الآشوري الفاعل في إيران وتأثير تلك الحرب على وجودهم وحياتهم، أعرب البطريرك آوا الثالث رويل عن قلقه العميق إزاء الحرب الدائرة حاليًّا في المنطقة، مشيرًا إلى أنّ “مآلاتها لا تزال غير واضحة في هذه المرحلة”، موضحاً أنّ “كنائس المنطقة جميعها تتابع بقلق بالغ تداعيات هذه الحرب، فالنزاعات العسكريّة تخلّف دائمًا عواقب وخيمة على المكوّنات الصغيرة، ومنها مسيحيّو الشرق. لكنّ صلواتنا لا تنقطع كي تضع الحرب أوزارها في أقرب وقت، وتُسْكِت لغةُ الحوار والتفاهم دويَّ السلاح”
ولفت إلى أنه وإلى جانب الحروب المتعاقبة، تسبّبت المصاعب الاقتصاديّة المتفاقمة وعدم الاستقرار الاجتماعيّ والتحدّيات الأمنيّة المتواترة، في نزيف هجرةٍ مؤلمٍ عانته كنائس الشرق جميعها، لا سيّما فئة الشباب. ومع تجدّد الحرب، أمِل آوا الثالث أن يُدرك مسيحيّو العالم معاناة أقرانهم في الشرق، ويَعُوا حجم التحدّيات التي يواجهونها، ويجتهدوا في مساندتهم للحدّ من استمرار موجات الهجرة، لا سيّما من العراق، داعيًا المجتمع الدوليّ إلى الاضطلاع بدوره في معالجة أسبابها الاقتصاديّة والأمنيّة، عبر تبنّي مبادرات عمليّة تُسهم في توفير مقوّمات العيش الكريم في وطنٍ آمن.
ويُشارُ إلى أن أعداد الآشوريين في إيران لا تتجاوز الـ 30 ألفاً من أصل 300 ألف مسيحي (أرمن وكلدان وسريان وإيرانيين معتنقين للمسيحية)، ويتركز وجودهم في شمال غرب إيران، ولا سيما بمحافظة أذربيجان الغربية ومدينة أورمي (أورمية) والعاصمة طهران.
وتعود أسباب تناقص أعداد المسيحيين والآشوريين بشكل خاص، إلى سياسات القمع التي مارسها النظام الإيراني بحقهم منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وحتى اليوم، وفي ظل قيادة المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي أصبحت الإجراءات القمعية أكثر منهجية وتنسيقًا وتأسيسًا. فبدلًا من الاعتماد على أعمال قمعية معزولة، طوّرت الدولة تدريجيًا إطارًا شاملًا يجمع بين القانون الجنائي، والعمليات الاستخباراتية، واللوائح الإدارية، والممارسات القضائية، والدعاية الرسمية، لتقييد الوجود العلني للمسيحية الناطقة بالفارسية ونموها.
وجرّمت الدولة اعتناق المسيحية، وفرضت قيوداً على الوصول إلى المطبوعات المسيحية وأغلقت الكنائس الناطقة بالفارسية ومارست الاعتقال التعسفي وأصدرت أحكاماً بالسجن لمدد طويلة وصادرت ممتلكات الكنائس، وفي بعض الحالات، ضلعت الحكومة وأجهزتها القمعية في الإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء لقادة الكنائس.
وتأكيداً لما سبق، تحدث فيكتور بيت تمرَز الحاصل على شهادة البكالوريوس من الهند في اللاهوت، لمنصة “أرتيكل 18” بشكل مطول عن حياته ودراسته وخدمته في الكنيسة الآشورية الخمسينية، وما عاناه كمسيحي من اضطهاد وقمع في إيران، قائلاً إن وزارة الشؤون الدينية عملت على دعوة رجال الدين إلى مناسبات مختلفة، بهدف الترويج زوراً لحرية الدين في إيران، بينما كانت في الحقيقة تستغل الأقليات، كما كانت الحكومة تمنع أي تجمعات لرجال الدين بذريعة تشكيلها خطراً على أمن إيران القومي، ناهيك عن زرع جواسيس في الاجتماعات.
وفي منتصف التسعينيات، وقعت سلسلة من عمليات اغتيال قادة وكهنة مسيحيين في إيران بطريقة مُنظمة، كما مُنِعَ تدريس العقيدة المسيحية، أو حيازة نصوص أو مقالات أو إنجيل باللغة الفارسية، أو الصلاة بها، ومُنع دخول المسلمين للكنائس، وتعرض فيكتور نفسه لتهديدات عديدة وحملات ترهيب لا توصف، إلى جانب مراقبته بشكل مكثف.
وأوضح فيكتور أن للآشوريين 4 طوائف في إيران، وهي الكنيسة الكاثوليكية الآشورية، وكنيسة المشرق، والكنيسة الإنجيلية الآشورية، والكنيسة الخمسينية الآشورية التي ينتمي إليها، مضيفاً أنه وبعد الضغوطات التي أسفرت عن إغلاق الكنيسة في 2009، انضم إلى الكنيسة السرية في المنازل، حتى بات أشبه _ هو وكل المنتمين لهذه الكنيسة والمسيحيون عموماً _ بمقاتلين يضطرون إلى التفكير والتخطيط باستمرار لحماية أنفسهم وأفراد كنائسهم، وذلك من خلال تدابير تحافظ على الكنيسة وتسمح لها بالنمو.
وفي عيد الميلاد من عام 2014، تعرض منزل فيكتور للمداهمة من قبل قوى الأمن، التي بدأت باستجواب الحضور (30 شخصاً) واعتقال العديد منهم، ومن بينهم فيكتور في سجن أفين سيء الصيت، وفي قسم السجناء السياسيين، وتعرض للتعذيب النفسي والعاطفي والحبس الانفرادي فقط لكونه مسيحياً، غير أن التهمة المعلنة كانت الانتماء لمنظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية المعارضة. وبعد 65 يوماً، أُفرِجَ عنه مؤقتاً مع فرض غرامة قدرت بـ 110 آلاف دولار، ثم خضع لمحاكمة في 2017، لم تستغرق دقيقة من الزمن، وحُكِمَ بالسجن لعشر سنوات ومُنِعَ من مغادرة البلاد لعامين بتهمة إنشاء وإدارة كنيسة منزلية تبشيرية، ولم تسلم زوجته شاميرام أيضاً من الاعتقال والسجن، إضافة لابنته ديبرينا وابنه راميل الذي اعتُقِلَ في 2016 برفقة 14 شاباً مسيحياً بتهم مختلفة، وقال فيكتور إنه تمكن في نهاية المطاف من مغادرة إيران عام 2022 باتجاه سويسرا، وهذا ما سعت إليه الحكومة الإيرانية من خلال الضغوطات والاضطهادات، ألا وهو إخراج المسيحيين من إيران.