

يكمن الإشكال الجوهري في الطرح الذي يربط الهوية الآشورية بالمسيحية في الخلط بين ثلاثة مفاهيم متمايزة من حيث طبيعتها ووظيفتها التاريخية والاجتماعية: الآشورية بوصفها هوية قومية وتاريخية وحضارية، والمسيحية بوصفها عقيدة دينية، والكنيسة بوصفها مؤسسة دينية وثقافية واجتماعية. وعلى الرغم من الترابط التاريخي العميق بين هذه المكونات، فإن هذا الترابط لا يعني تطابقها أو إمكانية اختزال أحدها في الآخر.
لا يمكن التقليل من الدور التاريخي والحضاري الكبير الذي أدته الكنائس المشرقية في صيانة اللغة الآشورية السُريانية، وحفظ الأدب والمخطوطات والتراث الفكري والروحي الذي أسهم في استمرار الذاكرة الثقافية الآشورية. غير أن إرجاع استمرارية الأمة الآشورية إلى المؤسسة الكنسية وحدها يمثل اختزالاً تاريخياً لا يأخذ في الحسبان الأدوار المتكاملة التي أدتها الأسرة والعشيرة واللغة والتقاليد والمجتمعات المحلية في الحفاظ على الشخصية القومية واستمرارها عبر القرون. فالكنيسة كانت أحد الحواضن الأساسية للتراث الآشوري، لكنها لم تكن الحاضنة الوحيدة.
ومن الضروري، في هذا السياق، إخضاع الادعاءات المتعلقة بتاريخ نشأة الكنائس المشرقية وتطور هويتها القومية والدينية للبحث التاريخي النقدي. فالقول إن جميع الكنائس حافظت على الهوية الآشورية بالتسمية ذاتها، أو إن جميع الآشوريين اعتنقوا المسيحية في عام 34 ميلادية، يتطلب أدلة تاريخية ووثائقية موثوقة. ولا يصح التعامل مع الروايات والتقاليد الكنسية، مهما بلغت أهميتها، باعتبارها حقائق تاريخية قطعية لا تقبل النقاش أو المراجعة.
وفيما يتعلق بتاريخ كنيسة المشرق، تشير بعض الروايات والتفسيرات التاريخية إلى أن بطاركتها الأوائل، منذ نشأتها في القرن الأول وحتى منتصف القرن الثالث الميلادي، ارتبطوا بأصول يهودية، وأن تقاليد سيامتهم كانت تتصل بأورشليم. كما لا يمكن إغفال الإسهامات الفكرية والثقافية لشخصيتين آشوريتين بارزتين في تاريخ المسيحية خلال القرن الثاني الميلادي، هما ططيانوس وبرديصن، اللذان تركا أثراً مهماً في الفكر المسيحي عموماً، وفي البيئة المسيحية الناطقة بالآشورية السُريانية خصوصاً.
فقد ارتبط اسم ططيانوس بإعداد كتاب »الدياتسارون«، الذي جمع روايات الأناجيل الأربعة في نص إنجيلي واحد متكامل، في حين ارتبط اسم برديصن بتطوير الأدب الديني والإنشاد المسيحي، ولا سيما توظيف الألحان الموسيقية في التراتيل والأناشيد. وتمثل هذه الإسهامات دليلاً على الحضور الفكري والثقافي للآشوريين في المراحل المبكرة من تاريخ المسيحية، وعلى أن دورهم لم يقتصر على تلقي العقيدة، بل امتد إلى الإسهام في تشكيل بعض ملامح تراثها الفكري والأدبي.
أما كنيسة أنطاكية، فقد اتسمت قيادتها في مراحل تاريخية مبكرة بحضور يوناني وروماني بارز، قبل أن تشهد تحولات دينية وثقافية وقومية لاحقة. وفي هذا الإطار، تبرز شخصية يعقوب البرادعي ودوره في إعادة تنظيم الكنيسة المشرقية ذات التقليد الآشوري السُرياني، وهي تحولات أسهمت في تبلور الهوية المؤسسية للكنيسة التي عُرفت لاحقاً بالكنيسة السُريانية. ومن هنا، ينبغي التمييز بين التطور التاريخي للمؤسسات الكنسية وبين التحولات التي طرأت على التسميات والهويات القومية والثقافية المرتبطة بها.
إن الإشكالية الأكثر خطورة تتمثل في جعل المسيحية شرطاً لازماً للانتماء إلى الأمة الآشورية، أو اعتبار الابتعاد عن الممارسة الدينية سبباً كافياً لنفي الهوية القومية عن الإنسان الآشوري. فهذا التصور يقوم على الخلط بين الانتماء القومي والاعتقاد الديني، ويؤدي إلى تحويل الهوية القومية إلى إطار ديني حصري، بما يتعارض مع طبيعتها التاريخية والحضارية.
فالهوية الآشورية لا تبدأ باعتناق المسيحية، كما أنها لا تنتهي بالابتعاد عن الكنيسة أو عدم الإيمان بالعقيدة المسيحية. فالانتماء القومي لا يُقاس بممارسة الشعائر الدينية، وإنما يرتبط بالانتماء التاريخي والثقافي واللغوي، وبالذاكرة الجماعية والشعور بالارتباط بأمة ذات تاريخ وحضارة وخصوصية ثقافية ممتدة عبر الزمن.
ومن هذا المنطلق، يحق لكل فرد أن يعتز بإيمانه المسيحي وبانتمائه الكنسي، وأن يثمّن الدور الذي أدته كنيسته في حفظ تراثه الثقافي والروحي. غير أن هذا الاعتزاز لا يمنحه حق احتكار الهوية الآشورية أو فرض تعريف ديني محدد لها، فضلاً عن إنكار الانتماء القومي للآخرين لمجرد اختلافهم معه في المعتقد أو الممارسة الدينية.
لقد شكّلت الكنائس المشرقية جزءاً أصيلاً وعظيماً من التاريخ الآشوري، وأسهمت إسهاماً جوهرياً في الحفاظ على اللغة والتراث والذاكرة الجماعية. إلا أن الاعتراف بهذا الدور لا يعني اعتبار الكنيسة مالكة للهوية القومية أو صاحبة السلطة الحصرية في تحديد من ينتمي إلى الأمة ومن يُستبعد منها. فالكنيسة مؤسسة تاريخية ودينية تنتمي إلى المجتمع الآشوري، وليست المرجعية الوحيدة لتعريف هويته القومية.
ومن المهم أيضاً التذكير بأن الدور الآشوري في تاريخ المسيحية لم يقتصر على الحفاظ عليها داخل بيت نهرين (بلاد الرافدين)، بل تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، وامتد عبر قرون إلى مناطق واسعة من الجزيرة العربية والهند والصين، ووصل إلى شعوب ومجتمعات في آسيا الوسطى وبين المغول. وقد أسهم الآشوريون في نشر المسيحية وتأسيس مراكز دينية وثقافية خارج موطنهم التاريخي. ومع تعرض تلك المجتمعات لتحولات سياسية ودينية واجتماعية وعواصف تاريخية متعاقبة، تخلّى كثير منها عن المسيحية أو شهد تراجعاً في حضورها، في حين استمر الآشوريون في التمسك بتقاليدهم الكنسية والدفاع عن مؤسساتهم الدينية والمحافظة عليها.
وهنا تبرز حقيقة تاريخية تستحق التأمل: لم تكن الكنيسة وحدها هي التي حافظت على الآشوريين، بل إن الآشوريين أنفسهم كانوا فاعلاً أساسياً في الحفاظ على كنيستهم واستمرارها، وتحملوا عبر أجيال متعاقبة مسؤولية صون مؤسساتها وتراثها وتقاليدها. وبذلك، فإن العلاقة بين الأمة والكنيسة كانت علاقة تفاعل متبادل، لا علاقة تبعية أحادية الاتجاه.
خلاصة القول، إن الأمة الآشورية أوسع من أن تُختزل في كنيسة أو طائفة أو عقيدة دينية بعينها. فالمسيحية تمثل مرحلة محورية ومكوّناً أساسياً من تاريخها الحضاري الحديث، والكنائس المشرقية تمثل إحدى أهم مؤسساتها التاريخية والثقافية، لكن الهوية الآشورية تظل هوية قومية وتاريخية مستقلة في أساسها عن الاعتقاد الديني.
وعليه، فإن الحفاظ على وحدة الأمة الآشورية يقتضي احترام التعددية الدينية والفكرية بين أبنائها، والتمييز الواضح بين الانتماء القومي والانتماء الكنسي، ورفض احتكار الهوية أو توظيف الدين أداةً للإقصاء والتصنيف القومي.
فالأمة الآشورية هي التي أنجبت مؤسساتها الدينية وأسهمت في استمرارها، وليست المؤسسات الدينية هي التي منحت الأمة وجودها القومي. وقوة الأمة لا تكمن في توحيد أبنائها على عقيدة واحدة، بل في قدرتهم على الحفاظ على هويتهم المشتركة رغم اختلاف معتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية.