
اللاعبان الآشوريان يورا إيشايا بيرا (يميناً) وشدراك يوسف ، من الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ كرة القدم العراقية، ضمن مسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات الرياضية. حقوق الصورة: الصورة: أرشيف عشتارتيفي كوم.
عشتارتيفي كوم – تقرير خاص
لم تكن رحلة يورا إشعيا بيرا مجرد مسيرة لاعب موهوب انتقل من ملاعب الحبانية إلى الأندية العراقية، بل كانت تجربة مبكرة فتحت أمام اللاعب العراقي نافذة على كرة القدم الإنجليزية في خمسينيات القرن الماضي. فقد جمع إشعيا بين الموهبة والسرعة والقدرة على صناعة اللعب، وأصبح من الأسماء البارزة في جيل تأسيس كرة القدم العراقية الحديثة، قبل أن يترك بصمته مع المنتخب الوطني ونادي القوة الجوية.
وبحسب المؤرخ الرياضي حسنين مبارك، الذي وثّق سيرته في موقع Atour، يُعد يورا إشعيا من أوائل اللاعبين العراقيين الذين خاضوا تجربة كروية في إنجلترا، في خطوة سبقت انتشار الاحتراف الخارجي بين اللاعبين العراقيين بعقود.
الحبانية.. البداية التي صنعت الموهبة
وُلد يورا إشعيا بيرا عام 1933، ونشأ في عائلة آشورية انتقلت إلى العراق خلال ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تستقر في الحبانية عام 1937، مع انتقال عدد من العائلات الآشورية والأرمنية والعاملين في القوات الجوية الملكية البريطانية إلى المنطقة.
بدأ إشعيا ممارسة كرة القدم في مدرسة رابي يعقوب التابعة لمدارس القوات الجوية الملكية في الحبانية. وكانت بداياته بسيطة، إذ لعب مع زملائه باستخدام كرة التنس، لكن موهبته سرعان ما ظهرت، حتى لفت انتباه لاعبين أكبر منه سناً.
وعندما بلغ الخامسة عشرة، اختاره اللاعب آرام كرم للانضمام إلى فريق «ليفي المدني» (Levy Civilian)، في خطوة مثّلت بداية انتقاله من اللعب المدرسي إلى المنافسة المنظمة.
كما قاد فريق الشباب التابع لنادي موظفي القوات الجوية الملكية الآشوري، الذي أحرز كأس الشباب، قبل أن يشارك مع الفريق الأول ويسهم في تحقيق ألقاب الدوري والكأس ضمن مسابقات القوات الجوية.
وتوضح هذه المرحلة، وفق السيرة التي نشرها موقع Atour، الدور الذي أدته ملاعب الحبانية في إعداد مجموعة من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقاً جزءاً من تاريخ الأندية العراقية والمنتخب الوطني.
ثلاثية فتحت له أبواب الكرة الإنجليزية
في نيسان 1953، شارك إشعيا مع فريق عراقي عسكري ضم لاعبين من فرق القوات الجوية والفرق المختارة في الحبانية، في مباراة أمام فريق محترف من منطقة قناة السويس في مصر.
وسجل إشعيا ثلاثة أهداف في المباراة، في أداء لفت انتباه ضابط الطيران البريطاني ر. ك. ويستون، الذي كان مهتماً باكتشاف المواهب الكروية، فاقترح منحه فرصة للعب في إنجلترا.
وبعد اتصالات مع إدارة نادي بريستول روفرز، بدأت ترتيبات سفر اللاعب، بمساعدة عدد من ضباط القوات الجوية الملكية في الحبانية، الذين ساهموا في تأمين نفقات رحلته.
وفي آب 1954، غادر إشعيا العراق متوجهاً إلى إنجلترا، ليبدأ تجربة استثنائية للاعب عراقي في تلك الفترة، حين كانت فرص الانتقال إلى الملاعب الأوروبية محدودة للغاية.
بريستول روفرز.. تجربة بين كرة القدم والعمل في المناجم
انضم إشعيا إلى نادي بريستول روفرز الإنجليزي، وبدأ اللعب مع فريقه الثالث المعروف باسم «بريستول روفرز كولتس»، ضمن منافسات الدوري الغربي، كما حصل لاحقاً على فرصة للمشاركة مع الفريق الرديف.
ولم تكن تجربته سهلة؛ إذ واجه في البداية مشكلات تتعلق بتصريح الإقامة والعمل، ووصل الأمر إلى صدور أمر بمغادرته إنجلترا بعد انتهاء تمديدات تصريح إقامته. لكن إدارة النادي وصحيفة محلية وشخصيات سياسية تدخلت لمساعدته على البقاء.
وبحسب توثيق حسنين مبارك، حصل إشعيا في نهاية المطاف على فرصة للعمل في مناجم الفحم في مقاطعة سومرست، بالتوازي مع مواصلة نشاطه الكروي بصفة هاوٍ، بسبب القيود التي كانت تحول دون تسجيله لاعباً محترفاً مدفوع الأجر قبل استيفاء شروط الإقامة المطلوبة.
وخلال موسمه الأول، شارك مع فريق النادي الثالث وسجل أهدافاً، كما حصل على فرصة اللعب مع الفريق الرديف. وتذكر السيرة أنه سجل ثلاثة أهداف في 22 مباراة ضمن منافسات الدوري الغربي في موسم 1954–1955، ثم واصل اللعب في الموسم التالي.
ورغم أن تجربته لم تصل إلى المشاركة مع الفريق الأول لبريستول روفرز، فإنها مثّلت محطة تاريخية مبكرة في مسار اللاعبين العراقيين خارج البلاد، وأظهرت قدرة المواهب القادمة من العراق على المنافسة في بيئة كروية مختلفة.
العودة إلى العراق.. وبداية مرحلة جديدة مع القوة الجوية
في كانون الأول 1955، عاد إشعيا إلى بغداد بعد نحو ستة عشر شهراً في إنجلترا، عقب تلقيه عرضاً للانضمام إلى فريق القوة الجوية الملكية العراقية، المعروف لاحقاً باسم نادي القوة الجوية.
وبحسب السيرة المنشورة في موقع Atour، ساهم قائد في القوات الجوية العراقية، العميد كاظم عبادي، في تسهيل إجراءات عودته وتسوية أوضاعه، كما أُتيح له الانضمام إلى القوات الجوية والعمل معها رياضياً.
ومع عودته، استعاد إشعيا حضوره في الملاعب العراقية، وأصبح أحد العناصر المهمة في فريق القوة الجوية، الذي شهد خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بروز عدد من اللاعبين الذين تركوا بصماتهم في المنافسات المحلية.
وتميّز إشعيا بقدرته على صناعة اللعب والمراوغة والتحرك بين خطوط الفريق، إلى جانب مساهمته في الواجبات الدفاعية، وهي صفات جعلته لاعباً مؤثراً في وسط الملعب والهجوم.
المنتخب العراقي.. هدف في أول ظهور رسمي دولي كبير
بعد عودته إلى العراق، انضم إشعيا إلى المنتخب الوطني، وشارك في مباريات دولية خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي.
وكان من أبرز محطاته ظهوره مع المنتخب العراقي في دورة الألعاب العربية التي أُقيمت في بيروت عام 1957، عندما واجه العراق منتخب المغرب في مباراة انتهت بالتعادل 3–3.
وسجل إشعيا أحد أهداف العراق في اللقاء، إلى جانب عمو بابا، في المباراة التي تُعد أول ظهور رسمي للعراق في بطولة دولية كبرى، وفقاً لما يورده تاريخ المنتخب العراقي والمصادر التي وثّقت مسيرة اللاعب.
ويمنح هذا الهدف إشعيا مكانة خاصة في ذاكرة كرة القدم العراقية؛ فهو لم يكن مجرد لاعب خاض تجربة خارجية مبكرة، بل كان أيضاً من الأسماء التي شاركت في مرحلة دخول المنتخب الوطني إلى المنافسات الدولية.
للاطلاع على تفاصيل مسيرته ومشاركاته، يمكن الرجوع إلى السيرة الرياضية ليورا إشعيا في موقع Atour، وإلى تقرير عشتارتيفي كوم عن رواد كرة القدم العراقية.
النادي الآثوري ومباراة بقيت في الذاكرة
ارتبط إشعيا كذلك بالنشاط الكروي الذي نظمه النادي الآثوري الرياضي في بغداد، المؤسسة التي أدت دوراً مهماً في جمع اللاعبين وتطوير المواهب في خمسينيات القرن الماضي.
وفي 20 حزيران 1956، شارك إشعيا مع فريق آشوري مشترك في مباراة أمام نادي تاج الإيراني، إلى جانب أسماء بارزة، من بينها آرام كرم وعمو بابا وإديسون إشعيا وعمو سمسون وعدد من اللاعبين الذين مثّلوا أندية عراقية مختلفة.
وانتهت المباراة بفوز الفريق الآشوري بنتيجة 5–3، وسجل آرام كرم ثلاثة أهداف. وتذكر الرواية التاريخية أن المباراة شهدت احتجاج الفريق الإيراني على احتساب الهدف الخامس، قبل دقائق من نهايتها.
ولم تكن أهمية هذه المواجهة في نتيجتها فحسب، بل في أنها جمعت لاعبين من أندية متعددة ضمن فريق واحد، وأظهرت المستوى الذي وصل إليه عدد من أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في تلك المرحلة.
كما شارك إشعيا في مباريات أخرى للفريق الآشوري داخل العراق وخارجه خلال عامي 1956 و1957، في صورة تعكس النشاط الرياضي الذي احتضنه النادي الآثوري وعلاقاته مع فرق إقليمية.
لاعب شامل ترك بصمته في القوة الجوية
لم يكن إشعيا مهاجماً تقليدياً يعتمد على التسجيل وحده؛ فقد وصفه المؤرخ حسنين مبارك بأنه لاعب يتمتع بلياقة عالية وقدرة على المراوغة وصناعة الفرص، مع استعداد للعودة إلى أداء الواجبات الدفاعية عند الحاجة.
وساعدت هذه الإمكانات على جعله أحد اللاعبين المعروفين في القوة الجوية والمنتخب العراقي. وامتدت مسيرته مع الفريق إلى سنوات من المنافسة المحلية، في فترة شهدت تطور كرة القدم العراقية وازدياد حضور أنديتها.
وتعكس سيرته أيضاً واقع جيل من اللاعبين الذين جمعوا بين الخبرة المكتسبة في فرق الحبانية والفرق العسكرية والأندية المدنية، وأسهموا في بناء قاعدة كروية استفادت منها الأجيال اللاحقة.
من الملاعب العراقية إلى تدريب الشباب في السويد
مع نهاية مسيرته لاعباً، انتقل إشعيا إلى العمل الرياضي والتدريب. وتذكر سيرته أنه عمل لفترة في قاعدة الحبانية في الإشراف على النشاط الرياضي وتدريب الرياضيين العسكريين، قبل أن يهاجر إلى مدينة يوتيبوري السويدية عام 1972.
وفي السويد، واصل ارتباطه بكرة القدم من خلال تدريب الناشئين، محافظاً على صلته باللعبة وبالشباب الآشوريين في المهجر.
وفي 21 تموز 1992، توفي يورا إشعيا عن عمر ناهز 59 عاماً، إثر نوبة قلبية تعرض لها أثناء تدريبه مجموعة من الناشئين الآشوريين، وفقاً لما أورده موقع Atour في سيرته التوثيقية.
يورا إشعيا.. إرث يتجاوز حدود الملاعب
تمثل مسيرة يورا إشعيا صفحة مهمة من تاريخ أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في كرة القدم العراقية؛ فقد بدأ من ملاعب الحبانية البسيطة، وانتقل إلى تجربة مبكرة في إنجلترا، ثم عاد ليمثل العراق ويشارك في إحدى محطاته الدولية الأولى.
وتبرز قصته كيف أسهم اللاعبون القادمون من بيئات محلية ومجتمعية مختلفة في تشكيل هوية المنتخب الوطني، وكيف تجاوز أثرهم حدود الأندية التي لعبوا لها، ليصبح جزءاً من الذاكرة الرياضية العراقية.
وبين الحبانية وبغداد وبريستول ويوتيبوري، امتدت رحلة إشعيا عبر محطات متباعدة جغرافياً، لكنها اجتمعت حول كرة القدم؛ اللعبة التي منحها موهبته لاعباً، ثم واصل خدمتها مدرباً، تاركاً اسماً يستحق أن يُستعاد ضمن تاريخ الرواد الذين أسهموا في صناعة كرة القدم العراقية.